وأقمت مكاني حتى إذا خلت أروقة المسجد أو كادت ذهبت أؤدي للحجرة النبوية ولقبر الرسول زيارة الوداع . ووقفت أمام شباك التوبة ورفعت صوتي قائلا : « السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته . أشهد أن نبي اللّه ورسوله قد بلغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم اللّه النصر لدينه وأنه وفى بوعده وأمر ألا نعبد إلا اللّه وحده لا شريك له » .
ومكثت هنيهة واقفا أحدق في هذه الحجرة وأذكر من تحوي قبورها رفاتهم :
محمد بن عبد اللّه خاتم الأنبياء والمرسلين ، وأبا بكر الصديق صفي النبي وخليله ، وعمر الفاروق من أعز اللّه به الإسلام يوم أسلم ومن نشر لواء الإسلام في الخافقين أيام خلافته .
وأذكر ما حدث بعدهم بين المسلمين من حروب أهلية وما تطورت إليه العقلية الإسلامية بعد ذلك حتى هوت إلى درك الانحلال فأصبحت مقلدة تنفر من الاجتهاد وتحاربه ، أثرة لا تعرف أخوة المؤمنين وتنزوي لذلك أمام كل قوة .
وإني لأقلب في صحف نفسي وأنا حسير الطرف كسير القلب حياء وخجلا إذا انفرجت شفتاي عن هذه النجوى : « السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته ، أشهد أنك رسول اللّه الواحد الأحد حقا وصدقا ، وأنه بعثك للناس كافة بالهدى ودين الحق . هديتهم بأمره ألا يعبدوا إلا إياه مخلصين له الدين حنفاء ، وألا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه » .
سمّاك ربك عبده قبل أن يسميك رسوله حتى لا يضل قوم فيحرفوا كلام اللّه عن مواضعه فيؤلهوك أو يعبدوك كما ألّه رسل من قبلك وعبدوا ، وبلغتنا من وحي ربك أنك بشر مثلنا يوحى إليك أنما إلهنا إله واحد ليعلم الناس أن اللّه يصطفي لرسالاته من يشاء من عباده فيظل من اصطفاه عبده وأن فضله على الناس إذ جعل بعضهم فوق بعض درجات .
واللّه وحده جل شأنه لا شريك له هو الذي تجب على الناس جميعا عبادته .
لذلك خلقهم وإليه مرجعهم وعليه حسابهم . فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 362
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣٦٢