تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
يقول في أخريات كتابه « في منزل الوحي » وهو جالس بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة ينتظر صلاة الجمعة ما نصه : وذكرت وأنا جالس أنتظر الأذان والصلاة أول جمعة صليتها في المسجد الحرام بمكة ذكرت عشرات الألوف الذين أحاطوا بالكعبة من جهاتها الأربع وما أثارته في نفسي موازنتهم بالمسلمين الأولين الذين جاءوا مع رسول اللّه في حجة الوداع وما بدا لي من فرق عظيم بين هؤلاء وأولئك في تصور الحياة . كان المسلمون الأولون يقبلون على صلاة الجماعة يدعوهم إليها « روح » مبعثه الإيمان « ونظام » قوامه الأخوة . وكانت الحياة لذلك عندهم فكرة يستهينون في سبيلها بالموت ويرونه استشهادا في سبيل اللّه . وكانوا يدركون إدراكا عميقا معنى كلمتين هما أبلغ وأقوى ما عرفت الإنسانية مذ وجدت : « اللّه أكبر » . وكانت صلاتهم لذلك ابتهالا خالصا للّه جل شأنه وتوجها إلى ما ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ويسمو بالنفس على غرور الحياة الدنيا . أما اليوم فقد غاض الروح من هذا المجتمع وصار الإيمان فيه تقليديا يكتفي صاحبه بأن يقول ألفاظ الإيمان وإن لم يؤمن بها بشيء ، ثم يحسب بعد ذلك أنه أرضى اللّه ورسوله فإذا طمع في مزيد من الرضا خيل إليه أنه بالغ من ذلك مطمعه بألوان من الزلفى لا تتصل بالعمل الصالح في شيء وليس فيها من حب المؤمن إخوانه وإيثاره إياهم على نفسه كثير ولا قليل . بل إن كثرة المصلين اليوم لا يفكر أحدهم في أخيه ولا يحب إلا نفسه . وهو إنما يحضر صلاة الجماعة ابتغاء المغفرة لنفسه والثواب لنفسه دون تفكير في المؤمن ممن حوله . وهذه الأثرة التي فتكت بالجماعات الإسلامية هي التي جعلتها تتعلق بالحياة لذاتها ولا تعرف المثل الأعلى فيها وتذعن لذلك خاضعة لكل سلطان يملك عليها أسباب المادة في الحياة . وهذه الأثرة هي التي أبقتها في غيابات الجهل لأن كبراءها وسادتها أمسكتهم الأثرة في دنيا مراتب الحياة فحجبوا عن إخوانه نور العلم وما يدعو إليه العلم من إيمان حق وبذلك أضلوهم السبيل . ذكرت ما ساورني من هذا التفكير بحرم مكة وأنا بمجلسي من المسجد النبوي أنتظر الأذان والصلاة ، وأجلت طرفي في هذه الجموع الجالسة حولي فحز مرآها في نفسي . فهذه الجموع تمثل العالم الإسلامي بمئات ملايينه المنتشرة في أطراف العالم كله ، وهي على ضخامة عددها كمية مهملة أو في حكم المهملة . مصر ، بلاد