تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
توسع في شرحه لكتابه المذكور حتى جعله في ستة أجزاء وقد كان تمام تأليفه وتمام طبعه في أواخر شهر جمادى الأولى سنة ( 1359 ) تسع وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة . وبعد إتمامه أرسل إليّ وأنا بمكة جميع الأجزاء تامة كاملة هدية منه . فرحمه اللّه رحمة واسعة وجزاه على الإسلام والمسلمين خير الجزاء آمين . ولقد كان رحمه اللّه تعالى على فقره سخيا كريما ، يقصده الناس خصوصا من أهل شنقيط ، فكان بيته مفتوحا على الدوام ، وكان يسعى في قضاء حوائج الغرباء ، وكان يحب الصالحين وأهل العلم ، وكان مستقيما جدا لا يترك التهجد ليلا ، يمثل العلماء العاملين ، وكان له الباع الطويل في الشعر ، فكم من الأبحاث العلمية والفصول نظمها في قصائد فريدة بل له مؤلفات بالنظم . هذا ومن لطائف ما وقع بيننا وكنت موضع سره يأتمنني في جميع أموره : أنه وقع في نفسه يوما أن يتزوج مصرية على زوجته الشنقيطية التي أتت معه إلى مصر ، وله منها بنت فقط ، فأخبرني بما في نفسه فلم أستحسن ذلك منه ، وكنت معه إذ ذاك في بيته ، ثم إنني بعد يومين سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية لأقيم بها مدة طويلة ، ويريد اللّه أن أكتب له خطابا بالبريد ، وكررت له أني لا أشير عليه بالزواج على زوجته التي معه ، وأثنيت عليها كثيرا ، وبالأمر المقدر وقع هذا الخطاب في يد زوجته فاطلعت عليه « وكانت قارئة كاتبة » فقامت بينهما مشاجرة ومخاصمة على ذلك ، وإذا الشيخ رحمه اللّه يكتب لي جوابا مملوءا بالعتاب والغضب ويقول : أنت السبب في كل ما وقع بيني وبين زوجتي . وبينما أنا أهم برد الجواب والاعتذار منه وأخذ رضائه ، إذا بجواب آخر منه يأتيني وقد وضع في داخله نقودا هدية منه إليّ إرضاء لي ويقول : إن زوجتي عرفت بأني كتبت إليك في حالة الغضب ، فأمرتني أن أتحفك بهدية ونطلب منك أن تبادر بالحضور إلينا في القاهرة في أسرع وقت لتقيم عندنا ثلاثة أيام ، ثم ترجع إلى الإسكندرية . فسررت من ذلك جدا وذهبت لزيارته وضحكنا مما وقع . كانت هذه الحكاية في سفري من الحجاز إلى مصر للمرة الثانية ، أي في سنة ( 1354 ) هجرية . ثم رجعت في السنة التي بعدها إلى مكة شرفها اللّه تعالى ، وبلغني أن زوجة الشيخ توفيت إلى رحمة اللّه تعالى وتركت له بنتا واحدة فقط ، وأن الشيخ قد تزوج بعدها بمصرية ، وبلغني أنه رزق منها بولد فقط ، ثم توفي الشيخ بعد أن زوج ابنته في التاريخ الذي ذكرناه آنفا ، رحمهما اللّه تعالى وعفا عنا وعنهما .