فعلى جواز بيع بيوت مكة وكرائها مشى المسلمون إلى اليوم .
الدور الثالث : الاستغلال التام في إيجارات بيوت مكة شرفها اللّه تعالى وزادها أمنا ورخاء وبركة ، وذلك بسبب كثرة ورود الحجاج إليها والطمع في هذه الدنيا الفانية الخسيسة فارتفعت أجور العقارات ارتفاعا فاحشا أدى إلى تدخل ولاة الأمور في ذلك ، فكانوا يصدرون في أول كل عام قرارا يضمن مصالح الطرفين المالك والمستأجر إلى نهاية سنة ( 1373 ) ثم صدر قرار ملكي يجعل الإيجارات في مطلق الحرية بين المالك والمستأجر ، كما تقدم بيان ذلك بالتفصيل .
ورب سائل يقول متى بدأ الاستغلال في إيجارات دور مكة وما سبب ذلك ؟
فنقول : لا يمكن تحديد بدء الاستغلال لعدم ذكره في التاريخ ولكن نقول عن طريق الاستنتاج : كان بدء الاستغلال من منتصف القرن الثالث عشر للهجرة ، ثم زاد الجشع في أواخر حكم الأتراك للحجاز ولا يزال في ازدياد إلى عامنا هذا حيث تمكن الحرص والبخل في قلوب الناس ، أما قبل ذلك فقد كان الناس في حالة مرضية من القناعة والكرم والإيثار والرحمة ، نسأل اللّه السلامة والعافية من كل ما لا يرضي اللّه عز وجل .
أما سبب الاستغلال فشيئان : الأول : الطمع الكثير والحرص الشديد . والثاني ، أن المستأجر بمكة إذا استأجر دارا لعام واحد بثلاثة آلاف ريال مثلا فإنه في موسم الحج قد يؤجرها للحجاج بأربعة آلاف ريال أو أكثر لمدة قد تكون أقل من شهر واحد فيكون المستأجر كأنه ساكن في الدار بدون أجرة ، بل إنه ربح جزءا أيضا ، وهناك من يؤجرها بنحو نصف إيجارها ومنهم من لا يؤجر داره في الموسم .
والعادة الجارية عندنا بمكة أن الإيجارات تكون سنوية لا شهرية بخلاف العادة في جميع الممالك حيث أن المتبع في الخارج أن تكون الإيجارات شهرية وأن الساكن بالأجرة في محل لا يتمكن من تأجير محله على غيره . لذلك يطلب مالك العقار بمكة من المستأجر زيادة الأجرة في كل عام .
ثم إن العادة الجارية عندنا أن المستأجر للدار إذا شغل جزءا منها لا يؤجر الجزء الخالي لغيره من أهل البلاد بل يبقيه خاليا إلى أن يأتي موسم الحج فيؤجره للحجاج فقط لإقامتهم بمكة مدة يسيرة جدا .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 134
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص١٣٤