تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩

حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام

الحجر بكسر أوله له عدة معان ، والمراد به هنا هو نصف الدائرة الذي يحيط بالجانب الشمالي بالكعبة المعظمة من جانب الميزاب ، وحجر إسماعيل أصله من عمل أبيه إبراهيم ، عليهما الصلاة والسلام ، فقد جعله من شجر الأراك . قال الإمام الأزرقي في تاريخه عند بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام الكعبة : وجعل إبراهيم عليه السلام الحجر إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز ، فكان زربا لغنم إسماعيل ا ه . ومعنى الزرب حظيرة الغنم ، والزرب والزريبة بمعنى واحد ، أي أن حجر إسماعيل قد عمله إبراهيم ، عليهما الصلاة والسلام ، ليكون موضعا لغنم ابنه إسماعيل ، وإذا نظرنا إلى ذلك العصر البعيد قبل أربعة آلاف سنة ، حين لم تكن بمكة دور ولا بيوت إلا السكنى في كهوف الجبال والجلوس تحت ظلال الأشجار ، ولم يكن في عصر النبيين الكريمين ، عليهما الصلاة والسلام ، بمكة إلا نفر من قبيلة جرهم ، علمنا أن احتجاز حجر إسماعيل لغنمه عند هذا البيت الكريم الذي هو أول بيت وضع للناس ببكة أمر عادي ، وإذا علمنا أيضا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، خصوصا خليل اللّه عز وجل الذي بنى هذا البيت الكريم ، لا يفعلون شيئا من عند أنفسهم بل لابد من الإذن الإلهي في ذلك . وما المانع في ذلك ؟ والخليل وابنه إسماعيل ، عليهما السلام ، هما اللذان بنيا الكعبة فالبيت بيت اللّه ، وإبراهيم خليل اللّه ، وإسماعيل نبي اللّه ، وماء زمزم خرجت كرامة له من اللّه ، والكعبة كانت مبنية بالرضم على أكمة صغيرة حولها الحصباء والمدر ، فسكنى إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، ومكان عبادته وموضع غنمه عند الكعبة المشرفة ، وما أحلى ذلك الزمن عند هذه البنية الطاهرة والأرض الطيبة النظيفة والجبال الشامخة اللطيفة ، والسماء الصافية والأمطار المباركة النازلة منها والأفق البعيد الخالية من عبادة الأصنام والأوثان ، إن من يتخيل في ذهنه ذلك الزمن السحيق المبارك ثم ينظر فيما حواليه الآن من تغير الأرض والأبنية والمسالك ، ليرى في مكة المشرفة بونا شاسعا وفرقا عظيما في طبيعة الأرض وصورها وطبيعة بني الإنسان وتطوره ، فسبحان الكبير المتعال . صورة رقم 72 ، الكعبة ويظهر عندها حجر إسماعيل عليه السلام