تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
وهدمت المنازل في زماننا هذا لتوسعة المسجد الحرام ، فحليت زمزم وصارت سائغا للشاربين كالماء العذب الصافي ، ولولا أن اللّه تعالى خصها بنوع من الطعم لما ميز الشارب بينها وبين الماء العادي . فالحمد للّه رب العالمين .

عدم فيض زمزم ليلة نصف شعبان

كثير من الناس يعتقدون أن ماء زمزم يفيض ويزيد ليلة النصف من شهر شعبان ، ويزيد في كل ليلة جمعة ، فهذا زعم باطل ووهم وخيال لا صحة له بتاتا مطلقا . نعم إن ماء زمزم قد تزيد في بعض السنين وذلك بسبب كثرة نزول الأمطار ودخول السيول إلى نفس المسجد الحرام وارتفاعها إلى أن تصل إلى باب الكعبة وأكثر ، فبطبيعة الحال تدخل مياه الأمطار والسيول إلى جوف زمزم من فمها وبذلك تفيض إفاضة زائدة كما هو الشأن في الآبار من هذا السبب . ولقد حقق ابن جبير الأندلسي رحمه اللّه تعالى هذه المسألة بنفسه حينما وصل إلى مكة وكتب عنها في رحلته « رحلة ابن جبير » التي كانت سنة ( 578 ) ثمان وسبعين وخمسمائة ه . فأحببنا نقل كتابته زيادة في البحث والتدقيق . فإنه قال ما يأتي : وفي يوم الجمعة أصبح بالحرم - أي بالمسجد الحرام - أمر عجيب وذلك أنه لم يبق بمكة صبي إلا وصبحه ، واجتمعوا كلهم في قبة زمزم وينادون بلسان واحد هللوا وكبروا يا عباد اللّه فيكبرون ، وربما دخل معهم من عرض العامة من ينادي معهم بندائهم والناس والنساء يزدحمون على قبة البئر المباركة لأنهم يزعمون بل يقطعون قطعا جهليا لا قطعا عقليا بأن ماء زمزم يفيض ليلة النصف من شعبان وكانوا على ظن من هلال الشهر لأنه قيل إنه رؤي ليلة الجمعة في جهة اليمن ، فبكر الناس إلى القبة ، وكان فيها من الازدحام ما لم يعهد مثله ومقصد الناس في ذلك التبرك بذلك الماء المبارك الذي قد ظهر فيضه والسقاء فوق التنور يستقون ويفيضون على رؤوس الناس الماء بالدلاء قذفا ، فمنهم من يصيبه في وجهه ومنهم من يصيبه في رأسه إلى غير ذلك ، وربما تمادى لشدة نفوذه من أيديهم والناس مع ذلك يستزيدون ويبكون ، والنساء من جهة أخرى يساجلنهم بالبكاء ويطارحنهم بالدعاء ، والصبيان يفلجون بالتهليل والتكبير ، فكان مرأى هائلا ومسموعا رائعا