كانت بقرب باب علي من أبواب المسجد ، والميضأة التي كانت في باب السلام من أبواب المسجد أيضا ، ووجود الفرع الثاني من بير يا خور التي تتجمع فيها فضلات بعض البيوت فتجري من شارع المسعى بجوار المسجد الحرام إلى أن تخرج من آخر المسفلة ، كل هذه الميضآت وبيوت الخلاء وبير يا خور كانت مياهها تتسرب من جوف الأرض وتختلط طبعا بماء زمزم ، فكان ذلك سببا قويا في تغير طعم ماء زمزم .
فلما هدمت هذه المنازل والبيوت والميضآت وبير يا خور التي كانت تجري تحت الأرض بعمق عشرة أمتار ورفعت أنقاض هذه المحلات ونظفت وحفرت أراضيها إلى عمق كثير ودكت دكا جيدا لبناء أساسات توسعة المسجد الحرام ، انقطعت صلة بئر زمزم بهذه المحلات بتاتا ، وانعدمت المياه التي كانت تتسرب إليها من هذه الجهة انعداما كليا . كل ذلك كان في سنة ( 1376 ) ست وسبعون وثلاثمائة وألف ه . فصارت ماء زمزم حلوة نظيفة وصارت هذه الحلاوة فيها ملموسة لكل الناس ، حتى صار بعضهم يظن إذا شرب ماء زمزم أنها خلطت بالماء العادي وليس كذلك ، فالحمد للّه رب العالمين على هذه النعمة الكبرى .
ويمكن لنا أن نستنتج من هذا الأمر : أن ماء زمزم في بدء أمرها حينما أخرجها جبريل عليه السلام لإسماعيل وأمه هاجر منذ أكثر من أربعة آلاف سنة ، لا يبعد أن تكون أعذب وأصفى ماء في الدنيا على الإطلاق لتقوم لهما مقام الطعام والشراب حيث لم يبق لديهما ماء ولا طعام ، ثم طرأ فيما بعد على هذه البئر المباركة ما يطرأ على مثلها ، فتغير طعمها عما كانت عليه في بدء أمرها ، فإن جرهما لما استخفت بحرمة البيت انقطع ماء زمزم ثم طمرت ودرس موضعه ، ثم إن عمرو بن مضاض الجرهمي بعد أن لم يستمع قومع لكلامه ووعظه عمد إلى الغزالين من الذهب والأسياف التي كانت في الكعبة فوضعها في بئر زمزم بعد أن حفرها ثم طمرها وردمها ، ثم إن عبد المطلب بن هاشم جدّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اهتدى إلى مكان بئر زمزم فحفرها وأخرج الغزالين والأسياف والدروع وحفر حتى وصل إلى قرارها ، فخرج الماء ، فبنى عندها حوضا كان هو وابنه يملآنه فيشرب منه الحاج كما تقدم بيان ذلك ، ثم جاءت القرامطة بعد الإسلام إلى مكة فقتلوا الناس وملأوا بئر زمزم بجثث القتلى ثم أخرجت هذه الجثث ، ونظفت ، ثم طرأ عليها تسرب مياه المنازل المحيطة بالمسجد الحرام - حتى رفعت البيوت
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 559
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٥٥٩