تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
كان عينا معينا يجري ) ، يقول ابن عباس : جاءت أم إسماعيل بشنتها فاستقت وشربت ودرت على ابنها . فبينا هي كذلك إذ مر ركب من جرهم قافلين من الشام في الطريق السفلى فرأى الركب الطير على الماء فقال بعضهم : ما كان بهذا الوادي من ماء ولا أنيس ، يقول ابن عباس : فأرسلوا جريين لهم حتى أتيا أم إسماعيل فكلماها ثم رجعا إلى ركبهما فأخبراهم بمكانها . فرجع الركب كلهم حتى حيوها فردت عليهم وقالوا : لمن هذا الماء ؟ قالت أم إسماعيل : هو لي ، قالوا لها : أتأذنين لنا أن نسكن معك عليه ؟ قالت : نعم ! يقول ابن عباس : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : ألفي ذلك أم إسماعيل وقد أحبت الأنس فنزلوا وبعثوا إلى أهلهم فقدموا وسكنوا تحت الدوح ، واعترشوا عليها العرش فكانت معهم هي وابنها . وقال بعض أهل العلم : كانت جرهم تشرب من ماء زمزم فمكثت بذلك ما شاء اللّه أن تمكث ، فلما استخفت جرهم بالحرم ، وتهاونت بحرمة البيت ، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها سرا وعلانية ، وارتكبوا مع ذلك أمورا عظاما ، نضب ماء زمزم وانقطع ، فلم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمر عليه السيول عصرا بعد عصر حتى خفي مكانه . وقد كان عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي قد وعظ جرهما في ارتكابهم الظلم في الحرم واستخفافهم بأمر البيت وخوفهم النقم ، وقال لهم : إن مكة بلد لا تقر ظالما فاللّه اللّه قبل أن يأتيكم من يخرجكم منها خروج ذل وصغار فتتمنوا أن تتركوا تطوفون بالبيت فلا تقدروا على ذلك ، فلما لم يزدجروا ولم يعون وعظه عمد إلى غزالين كانا في الكعبة من ذهب وأسياف قلعية كانت أيضا في الكعبة ، فحفر لذلك كله بليل في موضع زمزم ودفنه سرا منهم حين خافهم عليه ، فسلط اللّه عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم ووليت عليهم الكعبة والحكم بمكة ما شاء اللّه أن تليه ، وموضع زمزم في ذلك لا يعرف لتقادم الزمان حتى بوأه اللّه تعالى لعبد المطلب بن هاشم لما أراد اللّه من ذلك فخصه به من بين قريش . انتهى من تاريخ الأزرقي .