أخضر ، فقال لي صعلوك : هذا إسحاق عليه السلام ، ثم سرنا غير بعيد ، وإذا بأريكة أكبر من الأولى ، وعليها شبح ملقى على ظهره وله شيبة ، قد أخذت ما بين منكبيه أبيض الرأس واللحية والحاجبين وأشفار العينين وتحت شيبته ثوب أخضر قد حلل بدنه ، والرياح تلعب بشيبته الجليلة يمينا وشمالا ، فقال لي صعلوك :
هذا إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، فسقطت على وجهي ، ودعوت اللّه عز وجل ، لما فتح علي وأقمت من مكاني ، ثم سرنا وإذا بأريكة لطيفة وعليها شبح لطيف آدم شديد الأدمة كث اللحية ، وتحت منكبيه ثوب أخضر قد جلله فقال لي صعلوك : هذا يعقوب النبي ، ثم إننا عدلنا يسارا لننظر إلى الحرم ، فحلف أبو بكر الإسكافي ، ما إن أتممت الحديث ، قال : فقمت من عنده في الوقت الذي حدثني فيه من وقتي إلى مسجد إبراهيم عليه السلام ، فلما وصلت إلى المسجد سألت عن صعلوك ، فقيل لي إنه الساعة يحضر ، فلما جاء قمت إليه وجلست عنده وطارحته بعض الحديث ، فنظر إلي بعين منكرة للحديث الذي سمعه ، فأومأت إليه بلطف تخلصت به من الإثم ، ثم قلت له : إن أبا بكر الإسكافي عمي فأنس عند ذلك فقلت : يا صعلوك باللّه عليك لما عدلتما نحو الحرم ماذا كان ، ما الذي رأيتما ؟ فقال : ما حدثك أبو بكر ، فقلت : أريد أن أسمع منك أيضا ، فقال : سمعنا من نحو الحرم صائحا يصيح وهو يقول : تجنبوا الحرم رحمكم اللّه ، فوقعنا مغشيا علينا ، ثم أفقنا وقد يئسنا من الحياة وأيست الجماعة منا . قال :
فقال لي الشيخ : وعاش أبو بكر الإسكافي بعد ما حدثني زمنا يسيرا ، ومات وكذلك صعلوك رحمهما اللّه . ا ه .
وهذه الرواية يعرفها كل خليلي من سكان تلك المدينة التي شرفها اللّه بالحرم الخليلي وقد قصها علي أيضا المرحوم الشيخ عبد اللّه طهبوب مفتي الخليل ، وقد ذهب معي سماحته إلى المكان الذي يقع فيه باب المغارة لمشاهدته ، وقال لي : إنه على إثر حادث صعلوك هذا عمد القائمون على أوقاف الخليل إلى مد باب المغارة بالبناء حتى لا يجسر أحد على النزول إليها .
ونميل إلى تصديق هذه الرواية بعد أن قص علينا علماء فلسطين الكثير عن حوادث مثلها جرت لزائرين معاصرين لا أرى بي حاجة إلى ذكرها هنا ، لأن كل ما يروى عن تكريم اللّه سبحانه لخليله إبراهيم في حياته وبعد مماته لا يستغرب ، فليس يستغرب أن يرى المتشرفون بزيارة المغارة جسد أبي الأنبياء على أريكة
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 454
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٤٥٤