تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
أكره ، فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات ، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين ، فخررت عنها ، ثم زجرتها فنهضت ، فلم تكد تخرج يديها ، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها عناء ساطع في السماء مثل الدخان ، فاستقسمت بالأزلام ، فخرج الذي أكره ، فناديتهم بالأمان فوقفوا ، فركبت فرسي حتى جئتهم ، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية ، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم ، وعرضت عليهم الزاد والمتاع ، فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال : أخف عنا ، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في ورقة من أديم ، ثم مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام ، فكسى الزبير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبا بكر ثياب بيض ، وسمع المسلمون بالمدينة ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، من مكة فكانوا يفدون كل غداة إلى الحرة ، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم ، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معشر العرب ، هذا جدكم الذي تنتظرون ، فثار المسلمون إلى السلاح ، فتلقوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بظهر الحرة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف . وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحيّي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك ، فلبث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة ، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى ، وصلى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، بالمدينة ، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين ، وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين بركت به راحلته : هذا إن شاء اللّه المنزل ، ثم دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا ، فقالا : لا بل نهبه لك يا رسول اللّه ، فأبى رسول اللّه