تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
الضيف وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جارا ارجع واعبد ربك ببلدك ، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة ، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش ، فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة ، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، فليصل فيها وليقرأ ما شاء اللّه ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به ، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا ، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر ، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن ، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، وهم يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينه إذا قرأ القرآن ، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم ، فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره ، فقد جاوز ذلك ، فابتنى مسجدا بفناء داره ، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه ، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك ، فإنا قد كرهنا أن نخفرك ، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان . قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال : علمت الذي عاقدت لك عليه ، فإما أن تقتصر على ذلك ، وإما أن ترجع إلي ذمتي ، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له ، فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك ، وأرضى بجوار اللّه عز وجل ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يومئذ بمكة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم للمسلمين : إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين ، وهما الحرتان ، فهاجر من هاجر قبل المدينة ، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة ، وتجهز أبو بكر قبل المدينة ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي ، فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك ، بأبي أنت وأمي ، قال : نعم ، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر . قال ابن شهاب ، قال عروة ، قالت عائشة : بينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهرية ، قال قائل لأبي بكر : هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكر : فدى له أبي وأمي ، واللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر . قالت : فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاستأذن ، فأذن له فدخل
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 387 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )