بناء الصنادق والعشاش بمكة
الصنادق جمع صندقة ، وهي صفائح من التنك تسمر على أعواد من الخشب ، وتكون كهيئة الألواح الطويلة العريضة ، طول بعضها أربعة أمتار وعرضها متران ، وقد تزيد وقد تنقص ، فتعمل من هذه الصناديق محلات وغرف أرضية بطبقة واحدة فقط ، فتكون من هذه الصنادق مساكن شرعية كاملة تامة ، ولهم في عملها مهارة تامة .
أما العشاش فجمع عشة ، وأطلق عليها ذلك تشبيها لها بعش الطائر ، لأنها سهلة البناء والعمل ، كما أنها سهلة الهدم والتخريب . وهذه العشاش تعمل من جريد النخل أو من أعواد الأخشاب والحطب الطويلة ، وتكون كل عشة على هيئة القبة وأسفلها واسع بمقدار أربعة أمتار من جميع أطرافها المستديرة ، وقد يعمل بعضهم على الأرض حوشا واسعا ، وبيني فيه عشاشا متعددة ، فعشة للرجال ، وعشة للنساء ، وعشة لخزن الأطعمة ، وعشة للنوم وهكذا ، وبعضهم قد يزرع في الحوش بعض الرياحين وشجرة النبق ، ويحاط هيكل العشة وسقفها بالحصير ، ولهم في عملها مهارة فائقة ، بحيث لو جاءت الأمطار لم ينزل عليهم من العشة شيء من الماء ، اللهم إلا بعض قطرات .
وعمل العشاش والصنادق بمكة المكرمة قديم من الأزمان الماضية ، وقد كانت إلى عهد قريب محلة المسفلة ، ومحلة جرول ، مليئتان بالعشاش والصنادق ، ولا زالت فيهما بقية من ذلك ، وغالب سكان هذه العشاش والصنادق من السودانيين والهنود ، وقد زال كثير من هذه العشاش والصنادق من مكة المكرمة منذ سنة ( 1370 ) ألف وثلاثمائة وسبعين هجرية ، فلم يبق اليوم منها إلا القليل في أطراف محلة جرول ومحلة المسفلة ، وهي على وشك الزوال أيضا .
ولا ندري بالضبط من أين أتت إلينا صناعة العشاش والصنادق ، والظاهر أنها أتت من أهل السودان " التكارنة " ، ومن أهل جاوه ، ومن أهل الهند ، فإن فقراءهم يعملون هذه العشاش وهذه الصنادق ، وقيل لنا إن بعض أهل جاوه يصنعون بيوتهم في بلادهم من الخشب لسهولة نقلها من مكان إلى مكان ، حيث تأتيهم المياه في بعض الأوقات بكثرة ، واللّه تعالى أعلم بالغيب .