تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
والمطوفون بعد أن يتفقوا مع الجمالة على حمل حجاجهم يسافرون غالبا إلى المدينة في قافلتهم بحجة المحافظة عليهم ، وكثيرا ما يغرر الجمالة بضعاف الحجاج ، فيأخذون الأجرة منهم ، ويخبرونهم بأن الجمال خارج البلد ، ويرجونهم في أخذها من هناك حتى يوفروا عليهم دفع القوشان ( كلمة تركية معناها المكس ، وهو عوائد تأخذها الحكومة على الجمال الخارجة من مكة أو جدة أو المدينة أو ينبع ، وليست لها قيمة مخصوصة ، بل ترتفع وتنخفض على نسبة مطامع ذوي الكلمة هناك ، وربما بلغت ريالين أو أكثر قبل الدستور ، مع أن الذي يرد لخزينة الدولة منها ستة قروش فقط ) ، فإذا خرج الحجاج المساكين من مكة لا يجدون إلا جمالا ضعيفة ضئيلة ينالهم منها مشقات جسيمة ، وكثيرا ما يتركونها ويسيرون على أقدامهم جل مسافة الطريق أو كلها . والقافلة لا تنتظم عادة إلا بعد أول محطة ، حيث ينظم الجمالة جمالهم ، ويرتبون قطاراتهم التي لا يخالفونها طول سفرهم . والجمالة في الغالب نحيفو الجسم رفيعو الساقين قصار القامة ، يكاد أن لا يكون في جسمهم عضل بالمرة ، أما عظمهم فهو الحديد أو أشد صلابة ، ولهم قدرة على العدو بحيث لا يلحقهم فيه أحد ، ولقد رأيت رجلا منهم يعدو وراء جمل شارد ، حتى تعلق بذيله فعاقه عن الجري ، ثم أمسك بزمامه ، أما ملابسهم فهي قميص عليه حزام من الجلد به عادة سكين طويلة أو سيف صغير ، وفي أيديهم عصا غليظة قصيرة ، يسمونها المطرقة ، وعلى رؤوسهم تلك الصمادة " الكوفية " التي يلفونها عليها بأشكال مختلفة ، وبعض عرب الشروق واليمن يستعملون غير الطاقية شيئا من الخوص يشبه البرنيطة الواسعة ، إن لم تكن هي ، ويسمونها الظلة . وبعض الجمالة يلبس نعلا في رجله تقيها من حرارة الأرض وحصبائها . أما نظافة ملابسهم ، فلا يمكنني أن أقول لك عنها غير أنها إذا اتصلت بجسومهم لا يخلعونها مطلقا حتى تنخلع هي عنها ، وهذا لا يكون إلا إذا أكل عليها الدهر وشرب ، والمترفون منهم يغيرون ملابسهم كل سنة مرة في موسم الحج ، وبعضهم يلبس عباءة من الصوف أيام الشتاء تقيهم شدة البرد يسمونها مشلحا ، ولون هذه الملابس كلون الجبال أو الرمال ، فتراها صفراء قاتمة أو حمراء طوبية ، وربما كان اختيارهم لهذه الألوان حتى لا ترى بسهولة من بعد ، بل يشكل فيها الأمر على
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 315 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )