الحجاج وأكثرهم مشقة طبعا ، تزوق لهم واجهات منازلهم : فيرسمون عليها صورة المجمل وقافلته وحرسه ، ويرسمون إلى جانبها نخلة قد ربط إلى جذعها سبع وضبع في سلسلتين من حديد ، وبقرب منهما رجل قد أشهر سيفه في يده إشارة إلى أن صاحبنا حفظه اللّه ، تغلب بقوته وشجاعته على ما صادفه في طريقه هذا من المخاطر والمهالك .
لذلك كان ولا يزال لقب الحاج عند سواد المسلمين أشرف الألقاب التي يتحلى بها صدر أسماء الطبقة الصغرى ، وهو يدل على ما يمتاز به الشخص من صفات الشهامة في الشبان ، فإذا قيل لواحد منهم : يا حاج فلان ، يعني يا أيها الشهم الشجاع ، أما إذا لقب به الشيوخ والكهول ، فإنما يكون ذلك إشارة لكمال يقينهم ومتانة دينهم الذي تحملوا في طريقه الأهوال التي تشيب منها الأطفال .
على أن طريق الحاج أصبح اليوم أقل صعوبة منه في أمسه ، لذلك ترى الحاج في عودته بأبسط مما كان يستقبل به في الزمن السابق . وقليلا ما تراهم بمصر يرسمون شيئا على دور الطبقة الفقيرة ، اللهم إلا محملا يسير في جنده وإلى جانبه مركب بخاري ، أو قطار سكة حديد ، مما لا شيء فيه من معنى المشقة التي كان يصادفها الحاج في طريقه في الزمن السابق . وفي الحقيقة فإن طريق الحاج اليوم أقل صعوبة وأكثر أمنا منه بالأمس ، بل لا نسبة بين الحالتين بالمرة ، ما دام طريق الحرمين أصبح محل اهتمام دولتنا العلية ، فلابد أن يأتي يوم قريب يتذلل ما بقي فيه من الصعوبات ، خصوصا إذا تحقق خبر تسيير الطريق الحديدي بين المدينة ومكة ، وبين هذه وجدة ، واللّه الهادي إلى سواء السبيل . انتهى من الرحلة الحجازية .
فنحمد اللّه تعالى الذي أذهب تلك المشقات عن طريق الحج في عهدنا الزاهر الميمون ، وجعله سهلا ميسورا لكل قاصد من غني أو فقير ، اللهم أكثر علينا من خيراتك وفضلك ، وعاملنا بإحسانك ورحمتك ، وأصلح أحوالنا باطنا وظاهرا حتى نكون أهلا لرضائك وإكرامك بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين آمين .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 309
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣٠٩