تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
فلما استولى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ، رحمه اللّه تعالى ، على الحجاز في سنة ( 1343 ) هجرية ، شاء اللّه عز وجل ، أن تتطور البلاد من حالة إلى حالة أعظم في المدنية والعمران ، فكان أول بادرة لهذا التطور ، وجود السيارات بمكة المشرفة وجدة والمدينة المنورة وغيرها ، وذلك في سنة ( 1346 ) فتألفت من أهالي البلاد بعض الشركات لإحضار السيارات من الخارج ، فاشتغلوا بها برهة من الزمن ، والأرض لم تتعبد بالإسفلت لسير السيارات ، فكانت الجمال إذا رأت هذه السيارات وسمعت صوتها ، نفرت عنها وهربت من طريقها سواء كانت داخل البلدة أو خارجها ، ثم أخرجت الأرض كنوزها من معدن الزيت ، حتى صارت الحكومة السعودية من أغنى الحكومات العربية ، فتقدمت حياة الناس في جميع المرافق تقدما محسوسا ملحوظا . فكانت الحكومة تستورد الكثير من السيارات على اختلاف أنواعها ، لجميع أفراد الأسرة المالكة كبيرا كان أم صغيرا ولموظفي الحكومة أيضا ، وقامت الشركات وبيوت التجارة تستورد منها أنواعا مختلفة لبيعها من الناس ، وقامت الحكومة تعبد الطرقات والشوارع والمسالك بالإسفلت ، حتى صارت جميع مدن المملكة مرتبطة ببعضها ، واستغنى الناس عن ركوب الحيوانات ، وهجروا استعمال الجمال والخيل والحمير . أما وجود البسكليتات والدراجات النارية ، فقد كانت موجودة قبل سنة ( 1343 ) هجرية بالحجاز ، لكن بصورة قليلة جدا بعدد الأصابع ، فكان الناس يسمون البسكليتات حمار الشيطان ، لأنها تمشي بسرعة وعلى عجلتين ، فلما أصلحت الطرقات والشوارع وعبدت بالإسفلت ، وكثرت السيارات ، كثرت أيضا البسكليتات والدراجات النارية . فما أتت علينا سنة ( 1373 ) هجرية ، وهي السنة التي توفي فيها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه اللّه تعالى ، إلا وليس بالحرمين الشريفين جمال وشقادف لنقل الحجاج مطلقا ، حتى لقد صارت كلمة " شقدف " من الكلمات الغربية التي تحتاج إلى شرح وبيان ، أما الشقادف فهي معمولة من أعواد الخشب والحبال ، فقد ذابت أو صارت طعمة للنيران ، ولكن أين ذهبت تلك الآلاف المؤلفة من الجمال التي كانت تحمل الحجاج قبل السيارات ؟ إنها ذهبت في بطون الأودية وشعاب الجبال ، تذبح فتؤكل لحومها ، أو تحمل ضعاف البدو من مكان إلى مكان ، فلم تبق لهم بها عناية كعنايتهم السابقة ، فسبحان الكبير المتعال
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 306 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )