ومن الجمال ما لا يركب عليها عادة بل تحمل عليها الأمتعة والصناديق وأكياس الحبوب ونحوها ، وهذه الجمال والتي قبلها بطيئة المشي ، ولو لم يكن عليها حمل ، فهي تقطع المسافة التي بين مكة وجدة في ليلتين ، وتمكث نهارا في منتصف الطريق بينهما ويسمى " بحرة " ، مع أصحابها وركابها من أول النهار إلى قرب المغرب ثم تستأنف السير ، ويسمى عندنا مسير ليلة بالمرحلة ، كما تقطع ما بين مكة المشرفة والمدينة المنورة في إحدى عشرة ليلة ، تسير بالليل وتقيل بالنهار .
هكذا كانت وسائل النقل والانتقال والأسفار ، بواسطة الحيوانات المذكورة ، في جميع الممالك والبلدان على وجه الأرض ، منذ العصور القديمة الأولى ، إلى أن اخترعت القطارات والسيارات والطائرات في أوائل القرن العربي الحالي ، أي إلى أوائل سنة ( 1300 ) ألف وثلاثمائة هجرية ، فإنه من بعد هذه السنة المذكورة استبدل الناس في جميع الممالك تدريجيا النقل والانتقال بواسطة هذه المخترعات الحديثة وتركوا ما ألفوه من الانتقال بالحيوانات المذكورة ، فتطور الكون وهو من سنة اللّه تعالى في خلقه .
أما الحجاز وفي مقدمتها " مكة والمدينة " ، فلم يكن العرب يعرفون وسائل الانتقال إلا الجمال فقط ، فكنت تجد بمكة المشرفة في موسم الحج الذي كان يبدأ في ذلك الزمن في شهر رجب من كل عام ، آلافا مؤلفة من الجمال ، أتى بها أصحابها من الصحراء والبادية لحمل الحجاج إلى مشاعر الحج ، من ينبع ورابغ وجدة ، فمكة المكرمة ومنى ومزدلفة وعرفات ، ثم الرجوع منها بعد الوقوف إلى مكة المكرمة ، ثم منها إلى المدينة المنورة ، كل ذلك بطريق البر من المحطات المعروفة من قديم الزمن .
إنك أيها القارئ الكريم لو كنت معنا في ذلك الزمن المبارك ، ورأيت تلك الآلاف المؤلفة من الحجيج على مختلف أجناسهم ، فلقد كان أول من يأتي من الحجاج إلى مكة ، شرفها اللّه تعالى ، هم حجاج جاوا ، وكان يأتي منهم في بعض الأعوام سبعون ألفا من الحجاج ، وكانوا في أول شهر رجب يحضرون إلى مكة المكرمة ويصومون رمضان بها ، كما كان يأتي من الحجاج المصريين نحو أربعون ألفا ، وقس على ذلك بقية أجناس المسلمين .
ولو كنت معنا في ذلك الزمن المبارك ، ورأيت الآلاف المؤلفة من الحجاج يمشون في بطن مكة ويختلطون بأهلها ، ولو رأيت أيضا الآلاف المؤلفة من الجمال
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 304
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣٠٤