كتبها بلغتها ، لأن هذه المطابع تتوفر لديها الأحرف العربية والفارسية والهندية والتركية والجاوية والسريانية والعبرية واللاتينية والإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها - فإذا أردنا أن نطبع في المطابع العربية متن الألفية لابن مالك في النحو ، نريد أن نطبع منه عشرة آلاف نسخة ، فإننا نأخذ من المطبعة هذا العدد الضخم من النسخ جاهزة مجلدة بعد شهر واحد بل أقل من هذه المدة ، مع جمال الطبع وحسن التجليد والنظافة التامة ، فإذا قارنت بين عمل المطبعة وعمل الإنسان بيده تجد فرقا عظيما بينهما ، فالمطبعة سريعة الإنتاج وقليلة التكاليف ، شأنها شأن جميع المكائن الآلية .
ومع ما للمطابع من المنافع العديدة ، فإن لها مضرة واحدة فقط لكنها في جوهر الموضوع وصميم الأثر وهي : أن الناس في كافة الممالك والبلدان ، كانت كتاباتهم وخطوطهم جميلة حسنة ، لأنهم كانوا ينسخون جميع مؤلفاتهم بأيديهم ، وكان بعضهم ينقطع للكتابة ونسخ المؤلفات ليس له شغل غيرها ، وهذا من أقوى الأسباب لتحسين الخط وجمال الكتابة ، أما اليوم ، وقد كثرت المطابع وكثرت الآلات الكاتبة ، صارت خطوط الناس وكتابات أيديهم ضعيفة جدا لا تكاد تقرأ ، لأنهم اعتمدوا على المطابع ، ولأن جميع ما يدور من المعاملات الرسمية في دوائر الحكومات في جميع الممالك والبلدان ، صار يكتب على الآلات الكاتبة ، وبهذا بطل استعمال الأيدي في الكتابة ، وللّه الأمر من قبل ومن بعد .
وحيث علمت هذه المقدمة ، فلنشرع الآن في الكلام على ظهور المطابع فنقول :
لقد تكلمنا عن ظهور المطابع لأول مرة في كتابنا المطبوع بمصر المسمى ( تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه ) ، ولا بأس أن ننقل هنا في تاريخ مكة ما كتبناه هناك في كتابنا المذكور تاريخ القرآن الكريم للفائدة العامة وهو هذا بنصه مع تصرف بسيط :
كان أول اختراع المطابع في ألمانيا سنة ( 1431 ) ألف وأربعمائة وإحدى وثلاثين ميلادية ، وبالضرورة قد مضت مدة طويلة حتى أتقنت صناعتها وظهرت صلاحيتها التامة لدى جميع أجناس البشر ، فدخلت المطبعة أولا في بلاد إيطاليا ، ثم في فرنسا ، ثم في إنجلترا . ثم انتشرت في جميع البلدان ، وأن أول طبع للقرآن العظيم بالحروف العربية ، كان في مدينة همبرج بألمانيا ، وذلك في سنة ( 1113 )
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 182
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص١٨٢