من خمسمائة سنة أو أكثر ، لأن حاجة الإنسان ماسة إلى الجلوس في المجتمعات العامة كالقهاوي لما فيها من أسباب راحته من الطعام والشراب وأنواع المسليات ، فالقهاوي هي بمثابة النوادي العامة ، يقصدها الإنسان للاستجمام والراحة هربا من متاعب البيوت والمنازل . كما يقصد الرجل الصالح المساجد للعبادة من الصلاة والتسبيحات وقراءة القرآن ، هربا من عناء الدنيا وأشغالها ، فوجود القهاوي أمر ضروري يأوي إليها عامة الناس خصوصا طبقات العمال والصناع .
انظر : صورة رقم 30 ، إحدى القهاوي الحجازية
والقهاوي في غير الحجاز كمصر والشام وبلاد الإفرنج هي نوعان :
( النوع الأول ) القهاوي العامة ، ويقصد العامة من طبقات العمال والصناع ، حيث يجدون فيها راحة أجسامهم ويتداولون بينهم الحكايات والمضحكات ، مع وجود الأكل والشرب فيها بقيمة زهيدة فلا يتكلفون مصاريف كثيرة ، وهذا النوع من القهاوي عندنا بالحجاز كثير جدا ، بل لا يوجد غيره فيها .
انظر : صورة رقم 31 ، مقهى بلدي
( والنوع الثاني ) القهاوي الخاصة الممتازة ، وهذه لا يدخلها إلا الأعيان والأغنياء ، والكبراء والوزراء ، ومن في طبقتهم من أهل الغنى والثراء ، حيث يجدون فيها من أطايب الطعام وأنواع المشروبات الروحية وغيرها ، وحيث يجدون فيها أنواع المسليات ، ويتسامرون فيما بينهم بأنواع القصص والأخبار ، فتستريح أفكارهم وأعصابهم فيها من العناء والأعمال المرهقة في داخل الدواوين والدوائر .
ولقد يبلغ قيمة الفنجان الواحد من الشاي أو القهوة فقط بدون طلب شيء آخر ، في هذا النوع من القهاوي الممتازة نحو عشرة ريالات سعودية أو جنيها مصريا تقريبا ، وليس ذلك لنفس الشاي أو القهوة فقط ، فهذه لا تتعدى قيمتها بضعة قروش ، ولكن هذه القيمة الفاحشة والغلاء الكبير ، إنما هي لنفس الجلوس في هذه القهاوي الممتازة ، فإنها مؤثثة بأثاث فاخر كبيوت الأغنياء ، والخدمة فيها ممتازة جدا ، ونفس الخدم فيها على أحسن حالة من النظافة والأدب والتربية الممتازة ، ثم إن نفس القهاوي تقع في أجمل الشوارع والمحلات ، وربما كانت على ضفاف البحور والأنهار ، وداخل القهوة مزين بالصور والرسوم البديعة ، وفيها من مراكن الزروع والرياحين والأزهار العطرة ما يجلب السرور والراحة التامة ، ومن
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 177
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص١٧٧