وهل ريبة في أن تحنّ نجيبة
إلى إلفها أو أن يحنّ نجيب
يراها فلا يستطيع مخاطبتها
وقال أبو عمرو خاصة : حدثنا فتيان من بني جعدة أنها أقبلت ذات يوم ، وهو جالس في مجلس فيه أخوها ، فلما رآها عرفها ، ولم يقدر على الكلام بسبب أخيها ، فأغمي عليه ، وفطن أخوها لما به ، فتغافل عنه ، وأسنده بعض فتيان العشيرة إلى صدره ، فما تحرك ، ولا أحار جوابا ساعة من نهاره ، وانصرف أخوها كالخجل ، فلما أفاق قال :
ألمّت فما حيّت وعاجت فأسرعت
إلى جرعة بين المخارم فالنّجر [ 1 ]
خليليّ قد حانت وفاتي فاحفرا
برابية بين المخافر والبتر [ 2 ]
لكيما تقول العبدليّة كلما
رأت جدثي : سقّيت يا قبر من قبر [ 3 ]
جنوب ترعى عهده
وقال المدائني في خبره : انتجع أهل بيت جنوب ناحية حسى والحمى ، وقد أصابها الغيث ، فأمرعت ، فلما أرادوا الرحيل وقف لهم مالك بن الصّمصامة ، حتى إذا بلغته جنوب أخذ بخطام بعيرها ، ثم أنشأ يقول :
/
أريتك إن أزمعتم اليوم نيّة
وغالك مصطاف الحمى ومرابعه [ 4 ]
أترعين ما استودعت أم أنت كالذي
إذا ما نأى هانت عليه ودائعه
فبكت ، وقالت : بل أرعى واللَّه ما استودعت ، ولا أكون كمن هانت عليه ودائعه ، فأرسل بعيرها ، وبكى ، حتى سقط مغشيّا عليه ، وهي واقفة ، ثم أفاق ، وقام ، فانصرف وهو يقول :
/
ألا إنّ حسيا دونه قلَّة الحمى
منى النفس لو كانت تنال شرائعه [ 5 ]
وكيف ومن دون الورود عوائق
وأصبغ حامي ما أحبّ ومانعه [ 6 ]
فلا أنا فيما صدّني عنه طامع
ولا أرتجي وصل الذي هو قاطعه
صوت
يا دار هند عفاها كلّ هطَّال
بالخبت مثل سحيق اليمنة البالي [ 7 ]
هامش
[ 1 ] عاجت : رجعت ، الجرعة : الأرض ذات الحزونة ، المخارم والنحر : مكانان .
[ 2 ] في هد ، هج :« إن حانت »بدل« قد حانت »، وفي هج :« بين المحاضر والبئر »بدل« لي بالمخافر والبتر »وفي هد :« برابية لي بالمحاضر والبئر »وكلها أسماء أماكن .
[ 3 ] العبدلية يعني بها حبيبته ، وفي هد : « حييت » بدل « سقيت » .
[ 4 ] نية : رحلة وبعدا ، غالك : أخفاك عني .
[ 5 ] قلة كل شيء : أعلاه ، يريد أن علية الحمى حلوا بحسى ، منى النفس : بدل من « قلة الحمى » ، شرائع : جمع شريعة ، وهي مورد الماء كالغدير ونحوه .
[ 6 ] يريد الأصبغ أخا جنوب .
[ 7 ] عفاها : محاها ، وغير معالمها ، الخبت : مكان ، اليمنة : برد مخصوص يرد من اليمن .