فلما استردّوه نشب يقول الشعر في نسائهم ، فأخبرني من رآه واضعا إحدى رجليه على الأخرى يقرض الشعر ويشبّب بأخت مولاه وكانت عليلة ، ويقول :
ماذا يريد السقام من قمر
كلّ جمال لوجهه تبع !
ما يرتجى خاب من محاسنها
آماله في القباح متّسع !
غيّر من لونها وصفرها
فزيد [ 1 ] فيه الجمال والبدع
لو كان يبغي الفداء قلت له :
ها أنا دون الحبيب يا وجع
أخبرني محمد بن خلف قال : حدثنا أبو بكر العامريّ ، عن عليّ بن المغيرة الأثرم قال : قال أبو عبيدة :
الذي تناهى إلينا من حديث سحيم عبد بني الحسحاس أنه جالس نسوة من بني صبير بن يربوع ، وكان من شأنهم إذا جلسوا للتغزّل أن يتعابثوا بشقّ الثياب وشدّة المغالبة على إبداء المحاسن ، فقال سحيم :
كأن الصّبيريّات يوم لقيننا
ظباء حنت أعناقها [ 2 ] في المكانس
فكم قد شققنا من رداء منيّر [ 3 ]
ومن برقع عن طفلة غير ناعس
/ إذا شقّ برد شقّ بالبرد برقع [ 4 ]
على ذاك [ 5 ] حتى كلَّنا غير لابس
فيقال : إنه لما قال هذا الشعر أتّهمه مولاه ، فجلس له في مكان كان إذا رعى نام فيه ، فلما اضطجع تنفّس الصّعداء ، ثم قال :
يا ذكرة مالك في الحاضر
تذكرها وأنت في الصادر
من كل بيضاء لها كفل [ 6 ]
مثل سنام البكرة المائر
قال : فظهر سيّده من الموضع الذي كان فيه كامنا ، وقال له : مالك ؟ فلجلج في منطقه ، فاستراب به ، فأجمع على قتله ، فلما ورد الماء خرجت إليه صاحبته ، فحادثته ، وأخبرته بما يراد به ، فقام ينفض ثوبه ويعفى أثره ، ويلقط رضّا من [ 7 ] مسكها [ 8 ] كان كسرها في لعبه معها ، وأنشأ يقول :
صوت
/
أتكتم حييتم على النأي تكتما
تحية من أمسى بحبّك مغرما
هامش
[ 1 ] في س ، ب : « فارتد » .
[ 2 ] كذا في « الديوان » وفي س ، ب :« حنت أعناقهم المكانس »وفيه الأقواء حينئذ .
[ 3 ] كذا في « الديوان » وفي س ، ب : « مزنر » ، ومعنى منير : له نير ، أي علم الثوب .
[ 4 ] في س ، ب :« نيط بالبرد برقع ».
[ 5 ] في « الديوان » : « دواليك » وبهذه الرواية يستشهد النحويون في باب المصدر الموضوع موضع الحال المثنى المضاف إلى ضمير المخاطب .
[ 6 ] في « الديوان » : « كعشب » وما هنا أعلى .
[ 7 ] رضا : كسرا .
[ 8 ] مسكها : من سوارها أو خلخالها .