وتلكم المعايش ، حيث التمكين يعني إلى الإسكان - مكانا - مكانة الإقدار والتسليط ، بل هو أمكن من الإسكان ، فكما « لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ » ( 2 : 36 ) كذلك « هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » ( 2 : 29 ) .
وقد يعني « مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ » إلى هذه الأرض وسائر الأرضين السبع ، أرض الجنة التي أسكن فيها آدم وزوجه ، و « كم » اعتبارا بأنهما الأصل الأول ، الحامل لكل الأنسال الإنسانية ، وسائر سكنة سائر الأرضين المكلفين كما لمحت لهم آية الطلاق « وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ » .
ف « قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » في الدور الأول لآدم الأول ، ثم « قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » لما بعد من أدوار الأنسال في هذه الأرض البلية الاختبار بالاختيار ، كما و « قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » لسائر المكلفين الساكنين في سائر الأرضين .
فليس ذلك التمكين - فقط - تمكين المكان ، بل والمكانة الحيوية المعاشة بتمكين كل الموافقات التي تسمح بحياة الإنسان عليها ، تمكينات متصلة فيها بما أودع اللّه لها من موافقات وخصائص ، وأخرى منفصلة بفصائل خاصة قاصدة بينها وبين الشمس والقمر وسائر الأنجم ، ودورتها حول الشمس كدوران الشمس ، وميلها على محورها ، وسرعة خاصة لهما في ذلك التداور ، وإلى كافة التمكينات في كرتنا الأرضية التي إن تعدوها لا تحصوها « قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » ! لقد مكن اللّه أبوينا الأولين في الأرض ، ثم مكّن ويمكّن نطفنا في قرار الرحم المكين : « أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ . فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ » ( 81 :
20 ) ثم التمكين العام رحمانيا لكل الأجنَّة في قرار الأرض ، ثم تمكينات خاصة رحيميا لعباد بدرجاته على درجاتهم « أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ » ( 28 : 57 ) وإلى تمكين ومكانة عامة : « وَلُيمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ » ( 24 : )
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 90
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٩٠