فيها ، وكذلك نار الفضيحة هنا ! ويا له من مثل يمثّل حقيقة حالهم هنا ومآلهم هناك ، إن النفاق نار مظلمة تحرقهم في ظلماتها يوم الدنيا ويوم الدين ، وهم ليسوا ليستفيدوا من نورها إلّا ظاهرا ضئيلا مؤقتا يوم الدنيا ، ثم لا يطول إلا قليلا وقد « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » :
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ » : « صمّ » وهم يسمعون إذ عطلوا آذانهم الإنسانية عن سماع الحق « بكم » وهم ينطقون إذ عطلوا ألسنتهم عن كلام الحق « عمّى » وهم يبصرون إذ غطوا أعينهم عن مشاهدة الحق « فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ » إلى الحق : « لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ » ( 7 : 179 ) .
ومن لطيف الأمر في تمثيلات القرآن أنها كلها حقائق بعيدة عن التخيلات والأوهام ، لحدّ نراها تقحم في ممثلاتها كما هنا : يبتدء المثل ب « الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً . . » وهو فرد ، ثم ينتهي عند الاستنتاج إلى الممثل نفسه وهو جمع : « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » وليس المثل بالذي يقرب الممثل عن بعده إلّا إذا كان واقعا ملموسا كما هنا ، دون الأمثال البعيدة عن الواقع التي تبعّد ممثّلاتها أكثر وأكثر ! .
هذا المثل الأول يمثل جماع حال المنافقين أنفسهم واما الثاني : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) .
ف « أو » هنا للتقسيم حيث هذا القسم يختلف عن الاوّل تمثيلا ، فإنه مثلهم أنفسهم فيما يفعلون ، وهذا مثلهم وِجاه صيّب الدعوة السماوية الإسلامية ، مثل يبدأ بهذه الدعوة
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 227
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٢٧