ومن ثم روغ « على » ذهابا للقضاء عليها روغا ثانيا عليها « ضَرْباً بِالَيمِينِ » ! يرى جوا خاليا عن رصد العيون ، فيدلف إلى أصنامهم فيجد باحة قد اكتظّت بالتماثيل وانتشرت في أرجائها الأصنام ، فيخاطبها محتقرا لشأنها ، شائنا لعبدتها « أَ لا تَأْكُلُونَ . ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ » وأنىّ للجماد أن يأكل أو ينطق ، فأخذ يلطمها بيده ، ويركلها برجله ، وتناول فأسا وهوى عليها يكسرها جذر مذر ويحطمها « فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ » ( 21 : 85 ) فيسألوه عمن انتهك حرمة الآلهة ليرجعوا إلى أنفسهم ما هؤلاء يأكلون ولا ينطقون فكيف يعبدون ؟ ! ولقد كان حقا « ضَرْباً بِالَيمِينِ » بيمين القدرة ويمين الصدق ويمين الدين وباليمين الذي سلف منه : « تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ » ويا لها من معركة صاخبة صارخة أعماق أسماع التاريخ ، مقتل الآلهة التي كانوا يعبدون ، وقد شفى من نفسه سقما كان يشكوه : فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ( 94 ) . وكيف أقبلوا إليه دون بيوتهم وأشغالهم ولا يعلمون ماذا فعل بآلهتهم ؟ علّهم تسامعوا بالخبر ، أم خمّنوا تحقيقا لتهدد إبراهيم ، فلذلك أقبلوا إليه يزفون : يسرعون حاملين أصحابهم على الزفيف لمعرفة الحال بكل عجال ، وهم جمع كثير هائج ، وجم غفير مائج ، وهو فرد واحد لا يخاف إلّا ربه ، فهو أقوى من هذه الكثرة وهم إليه يزفون : « قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ . قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ . قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ . قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ . . . » ( 21 : 67 ) :
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 26
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٦