متاع قليل يشترى به متاع كثير وقد يروى عن النبي صلى الله عليه وآله قوله : « نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته حتى يرضي ربه ، وبئست الدار لمن صدَّته عن آخرته وقصرت به عن رضى ربه وإذا قال العبد قبح اللَّه الدنيا قالت الدنيا قبح اللَّه أعصانا لربه . « 1 »
ذلك ، فما الذي أثقلهم حينذاك عن النفر لقتال الروم ؟ إنه شدة الحر ، وطيبة ثمار المدينة وقتذاك ، وبعد المسافة وشقة الطريق واستعظام الروم ، فاثَّاقلوا - إذاً - إلى الأرض كأنهم رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة ، وإنها ثقلة أرض الحياة ومطامعها ومطامحها ، ثقلة الخوف على حياة وزخرفاتها ولذائذها ومصالحها ومُتَعها ، ثقلة الدعة والأريحية المستقرة المستغرَّة ، والعبارة تحمل لكل ثقلة كهذه وما أشبه بجَرَس اللفظ وقَرَص المعنى « إثاقلتم » : افتعال الثقل إلى السفل الثفل ، رغم الإيمان بالعلو ، غَلَباً لجاذبية الأرض على السماء ، وسَلَباً لرفرفة الأرواح وانطلاقة الأشواق .
فالسعى للجهاد هي انطلاقة من ثقل الأرض وقيدها ، تطلعاً إلى علو السماء عن كيدها وميدها ، فما من مؤمن إثاقل إلى الأرض عن نفر الجهاد إلَّا وفي إيمانه دَخَل وخلل ، حيث الحياة الإيمانية كلها جهاد ، ولقد « قالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً » « 2 »
فما دائكم وما دواءكم ؟ !
إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 3 »
وهنا تهديد مديد بعد تهديد ، متواصلًا في آيات عِدة ليعدوا للجهاد عِدَّةً وعُدَّة ، ف
هامش
( 1 ) ) . الدر المنثور 3 : 238 عن سعد بن طارق عن أبيه قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : . . وفيه عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وآله وغط رجلًا فقال : إزهد في الدنيا يحبك اللَّه وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ، وعن عبد اللَّه بن عمر قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : الدنيا سجن المؤمن وسنته فإذا خرج من الدنيا فارق السجن والسنة
( 2 ) ) . سورة التوبة 9 : 81
( 3 ) ) . سورة التوبة 9 : 39