تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
« لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل . . » من « المهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة . . » « 1 » وفترة الشدة قبل الفتح ، وأهمه فتح مكة ، وبعده فتح الحديبية ، الذين أنفقوا وقاتلوا في حالة الأسر والعُسر ، أيام كان الاسلام غريباً والخطر قريباً ، والمسلمون محاصَرون مطارَدون ، قليلون في العِدة ، قليلون في العُدة ، فالانفاق والقتال كانا في عضال ، فلا تشوبهما شائبة ، مهما كان الانفاق قليلًا لقلة الأموال . . ف « أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا » إذ أنفقوا وقاتلوا في رخاء ورجاء ، ولم يكن لمن قبل الفتح رجاء ولا رخاء ، أنفقوا والعقيدة آمنة ، والغلبة كائنة أو كامنة ، فليكن مَن قبلهم أعظم درجة منهم ، مهما كانت النية صافية وعلى سواء ، فإن الموانع والدوافع تختلف هنا وهناك ، وأفضل الأعمال أحمزها ، فالظروف الصعبة الملتوية قبل الفتح تحكم ان المنفقين المقاتلين في سبيل اللَّه فيه أفضل ممن انفق وقاتل بعد الفتح مهما كان الانفاق من قبل قليلًا ، فليس الكم هو الذي يرجح الميزان ، وإنما هو الظرف والباعث وما يمثله من حقيقة الايمان . « 2 » « و » إن كان ( كلًا وعد اللَّه الحسنى ) ولكنما الجزاء الحسنى درجات كما الاعمال والنيات الحسنى في اليسر والعسر درجات ( واللَّه بما تعملون خبير ) .
هامش
( 1 ) ) . سورة التوبة 9 : 117 ( 2 ) ) . ( 1 و 2 ) الدر المنثور 6 : 172 - أخرج سعيد بن منصور عن زيد بن اسلم قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يأتيكم قوم من ههنا - وأشار بيده إلى اليمن - تحقرون أعمالكم عند أعمالهم ، قالوا : فنحن خير أم هم ؟ قال : بل أنتم ، فلو ان أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه ، فصلت هذه الآية بيننا وبين الناس : « لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا » وأخرج مثله ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وآله وأخرج أحمد عن انس في حديث عنه صلى الله عليه وآله دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم ، وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه . أقول : وكل هذه مقارنة بين من كانوا زمن النبي قبل الفتح وبعده ، وأما الذين أتوا ويأتون بعده فلا ، فلا فضل إذاً إلا للأفضل أعمالًا ، حسب الظروف والنيات ومدى الصعوبات