ذاته فهو داخل فيه محجوباً أو غير محجوب ، فإذا ارتفعت الحجب الظلمات فهو إذاً في النور ، دونما حاجة إلى طي مسافة بينه وبين النور ، فإنما يبتدئ بفطرة اللَّه التي فطر الناس عليها ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، وينتهي إلى اللَّه النور ، منتهى لا نهاية له ، فلابدّ للسالك إلى هذا النور أن يستمر في السير ، ناسياً نفسه وذاكراً ربه .
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَايَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ « 1 »
هنا الخطاب الأول العتاب خاص بضعفاء الايمان ، الذين يتثاقلون عن الانفاق في سبيل اللَّه ، قاتل أم لم يقاتل ، أنفق في سبيل اللَّه أو لم ينفق وإن كانوا درجات .
« وما لكم ألا تنفقوا » ولستم إلا مستخلفين فيما رزقتم ، ثم ولا يبقى لكم باقية :
« وللَّه ميراث السماوات والأرض » فلا ان الأموال لكم ، ولا انهاباقية أو أنتم باقون ، فإذا الخلائق فنوا وانقرضوا ، خلّوا ما كانوا يسكنونه أو من يساكنونه ، وزالت أيديهم عما كانوا يملكونه ، وهناك اللَّه وارث ما تركوه ، وإن كان مالكاً من قبلُ مالكيتهم ، فهو الباقي بعد فنائهم ، والدائم بعد انقضاءهم .
فلابدّ للمال أن ينفصل عن صاحبه ، بالموت فالوبال ، أو بالانفاق وسائر الواجب أو الحلال ، فهل من عاقل يترك ماله دون تسميد لمستقبل الحال بانفاقه أو قرضه في سبيل اللَّه ؟ !
ويا لها من حجج بالغة دامغة ، ناصعة ناصحة ، فما الذي يبقى عندها من دوافع الشح لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهيد !
ثم ينتقل الخطاب إلى المنفقين المقاتلين في سبيل اللَّه في ساعتي العسر واليسر ، ترى انهما سواء - كلا :
هامش
( 1 ) ) . سورة الحديد 57 : 10