والضحك المحظور للمؤمن هو الناشئ عن الغفلة ، دون الضحك بُشراً تلطيفاً لجو المجتمع الذي يعيشه ، فإنه محبور ، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله مبتسماً .
إذاً فالضحك والبكاء هما ظاهرتان - في الأغلب - لفَرَح أو قَرَح في القلب ، فلأن قلب المؤمن قَرِح بما يرى مِن نفسه ومن سواه ، فهو باكٍ وإن لم يظهر بكاءَه ، حيث الأصل في البكاء هو إنكماش النفس ، كما أن قلب الكافر فَرِح مَرِح حيث يعيش حرية أهواءه ومعه رفاقة الكثير مهما لم يُظهر فرحَه .
فالأصل في « فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيراً » هم غير المؤمنين ، هنا لو عرفوا مآلهم بحالهم الكافرة ، وهناك ليس إلا البكاء شاءوا أم أبوا .
ثم الأصل في المؤمنين أن يكونوا قرحي القلب « فليضحكوا قليلًا » بمظهره وقلوبهم باكية ، « وليبكوا كثيراً » بمظهره وسواه وقلوبهم حاكية .
ولا يعني حديث النبي صلى الله عليه وآله بقوله « واللَّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيراً » إلا تأويلًا للآية دون تفسير ، لأن مآل الضحك إلى فرح القلب والمؤمن قرح القلب بما يعلم الأمثل فالأمثل .
ولأن « فليضحكوا وليبكوا » أمران غائبان فلا يعنيان إلّا حتمية قليل الضحك وكثير البكاء ، والأول لا محالة واقع في الدنيا حيث إن الضحك فيها مهما كان كثيراً فهو بجنب بكاء الآخرة قليل .
ثم الثاني لا محالة واقع في الأخرى شاءوا أم أبوا دونما حاجة إلى أمر .
ثم لو كانوا يفقهون هنا « فليضحكوا قليلًا » حين الغفلة « وليبكوا كثيراً » عند النبهة بما قدمت لهم أنفسهم لأخراهم .
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ « 1 »
هنا نفاق معاكس من هؤلاء الأنكاد ، فقد رضوا بالعقود أول مرة باستئذان ، وهم
هامش
( 1 ) ) . سورة التوبة 9 : 83