والإنقلاب على الأعقاب ليس يعني فقط إنقلاباً عن الحرب إلى المدينة ، فإنهم انهزموا ككل مهما حارب من حارب حتى النفس الأخير .
إنما الأصل هو الانقلاب نفسياً الذي صاحبَها عند الهتاف « أن محمداً قد قتل » فقتل بذلك الهتاف إيمان البعض ووهن آخرون ، حيث أحس البعض أن لا جدوى بعدُ في استمرارية القتال ، وكأن بموت محمد أو قتله انتهى أمر رسالته ، فانتهى - إذاً - أمر الجهاد .
فالإرتداد في هذه المعركة الحربية على الأعقاب هو من خلفيات الانقلاب النفسي الردىء ، ما قل منه أو جل ، فكل تحوُّلة عن حالة الإيمان وقالته وفعلته بذلك الهتاف ، انقلاب على الأعقاب مهما اختلف الدركات .
وهذا درس يحلِّق على كل الزمن الرسالي ، تسوية بينه وبين الزمن الرسولي ، أن يستمر المسلمون في تمسكهم بإسلامهم السامي بعد الرسول كما هم متمسكون زمنه ، بل والمسؤولية في غيابه أكثر مما كان في حضوره ، حيث يفقدون الداعية الأولى ، فعليهم أن يجبروا كسر فقده بمواصلة الدعوة والنضال في بسطها وتحقيقها وتطبيقها .
لقد انقلب جماعة على أعقابهم في هتاف أحد ، فقيلت قيلات هي ويلات على الكتلة المؤمنة ، وكما قالوا قولات هي من رجولات إيمانية .
« قال أناس منهم لو كان نبياً ما قتل ، وقال أناس من عَلِيَّة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح اللَّه عليكم أو تلحقوا به ، وذكر لنا أن رجلًا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار - وهو يتشحط في دمه - فقال يا قلان أشعرت أن محمداً قد قتل ؟ فقال الأنصاري إن كان محمد قد قتل فقد بلَّغ فقاتلوا عن دينكم فأنزل اللَّه » « وما محمد . . » . « 1 »
ذلك ، وقال أهل المرض والارتياب والنفاق - حين فر الناس عن النبي - قد قتل
هامش
( 1 ) ) . الدر المنثور 2 : 80 - اخرج ابن جرير وابن حاتم عن الربيع في الآية قال : ذلك يوم أحد حين أصابهم ما أصابهم من القتل والقرح وتداعوا نبي اللَّه قالوا قد قتل وقال أناس . .