فسائر الحروب الفاتحة لم تكن تحمل منها إلا يسيراً قصيراً ، وإنما فتح مكة هو الذي حمل كل هذه المواصفات لقبيل الإيمان .
وهنا « غيظ قلوبهم » في إذهابه رحمة عليهم خروجاً لقلوبهم عن التغيظ التضيق بما أصيبوا من مكائد الكفار ، فهي رحمة صالحة لهم ، وهناك غيظ آخر في ذهابه رحمة عليهم وعلى الآخرين الذين يجب كظم الغيظ عنهم لكونهم مؤمنين ، وهذا مجال قول النبي صلى الله عليه وآله « ما من جرعة يتجرعها الإنسان أعظم أجراً عند اللَّه من جرعة غيظ في اللَّه » . « 1 »
والقصد من جرعة الغيظ هنا الصبر عند الإهتياج ، واللظم عند الإنزعاج ، وترك اتباع نوازع النفس إلى ما تدعوا إليه في تلك الحال من شفاء غيظ ، أو تنفيس كرب ، أو إطلاق عقال ، أو فعل مراقبة للَّهسبحانه تنجزاً لثوابه ، واحتجازاً عن عقابه ، فشبه صلى الله عليه وآله تلك الحال بالجرعة ، كأن الإنسان بالكظم لها والصبر عليها قد ضاق بها مرارة ، وأساغ منها حرارة .
« أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ » « 2 »
« أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون » . « 3 »
« أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساءُ والضراءُ وزلزلوا حتى يقول الرسولُ والذين آمنوا متى نصر اللَّه ألا إن نصر اللَّه قريب » . « 4 » « أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللَّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين » . « 5 »
هامش
( 1 ) ) . المجازات النبوية للسيد الشريف الرضي ( 96 )
( 2 ) ) . سورة التّوبة 9 : 16
( 3 ) ) . سورة المؤمنون 23 : 115
( 4 ) ) . سورة البقرة 2 : 214
( 5 ) ) . سورة آل عمران 3 : 14