ولا حصر واقعياً فيهم ! ذلك حصر فيمن يستقيمون ، وهؤلاء كانوا مثالًا للإستمامة لمكان « فما استقاموا لكم » فليس للمسجد الحرام والذين عاهدوكم عنده ميزَّة في ذلك الاستثناء إلّا مصداقية بارزة لهم دون حصر ، فما هذا الاستثناء استثناءً بموضوع يفيد الحصر ، بل بمصداق بيِّن منه كما في الإيمان عند رؤية الناس : « فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين » . « 1 »
ثم وضابطة « فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم » محكَّمة لكل هؤلاء الذين يستقيمون في عهودهم ، سواءً أكانوا من المعاهدين عند مسجد الحرام أم سواه .
فالمبدء الأول للمشركين أنه ليس لهم عهد عند اللَّه وعند رسوله ، فإنهم ناقضوا عهد اللَّه بإشراكهم به ، وناقضوا عهد رسول اللَّه بنكرانهم له ، فكيف يكون - إذاً - لهم عهد عند اللَّه وعند رسوله للجماعة المؤمنة باللَّه وبرسوله ، فذلك استفهام إنكاري يوقظ المسلمين بأن الأصل فيهم أولآء الأنكاد الأنكاث هو نقض العهود فلا يوثق بهم أبداً ، فعليهم اليقظة الدائمة أمامهم ، حياطةً على النقض المرتقب منهم دائماً .
ذلك لأنهم كأصل يكمنون لكم العداء العارم دون رغبة فيكم ولا رقابة عليكم ، فالأصل في معاهدة المسلم المحارب عدم النقض فإذا نقض انتقض ، ثم الأصل في معاهدة المشرك المحارب النقض ، فإذا لم ينقض لم ينتقض ، فلا تجوز بدار النقض منا لعهد المشرك قبل نقضه ، فإنه - إذاً - حجة علينا وإعتداء بغير مثل .
وهكذا يُلزمنا الإسلام بالوفاء بالعهود مع المشركين فضلًا عن المسلمين ، ولكن علينا أن نحتاط أمام المشركين المعاهدين إذ ليس لهم عند اللَّه ولا عند رسوله عهد .
وإذا كانت الإستقامة للمعاهدات الإسلامية مع المشركين بهذه المثابة فماذاترى في المعاهدات الإسلامية مع بعضهم البعض ، فهل يجوز نقضها من طرف واحد بأي سناد ؟ كلّا وحتى الرسول صلى الله عليه وآله ليس له ذلك النقض فضلًا عمن سواه مهما بلغ به الأمر .
هامش
( 1 ) ) . سورة يونس 10 : 98