فهكذا « جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم » هنا وفي التحريم ( 9 ) / « ومأواهم جهنم وبئس المصير » ولأن المنافقين هم أخطر من الكفار واقعياً مهما كانوا أقرب إلى المسلمين ظاهرياً ، فجاهدهم - إذاً - أكثرهم منهم وأوعر ، فالمنافقين - كما الكافر - نار ، حيثما دار ، وإخماد النار واجب المؤمنين الأحرار ، ولكي تبقى الحياة المسلمة سلمية أمينة عن الأشرار ، بذلًا لكل جهد في إصلاح الأمر مهما بلغ به الأمر في ذلك الأمر ، حفاظاً على الإمرة الإسلامية والكتلة المسلمة عن همجات وهجإت أنفسية أو دعائية أماهيه ؟ . وإلى « واغلظ عليهم » فإنه أغلظ المجاهدة وآخر المطاف فيهاالغَلظ من قتالهم إذا لزم الأمر ، فآخر الدواء الكي .
ذلك ولقد كان الرسول صلى الله عليه وآله يلاين المنافقين كثيراً علَّهم يلينون عن شدتهم ، ويفيقون عن غفوتهم ، ويغضي عنهم كثيراً علَّهم يُغيضون ، بالغاً معهم في الصفح والحلم والسماحة غايتها ، فإذا إنتهى أمد اللين فلتكن الشدة بمراحلها ، فإن لم تنفع فالحسم القاطع ، وذلك عندما يتظاهرون بمظاهر الكفر ، وكما في النص التالي :
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ « 1 »
« يحلفون باللَّه ما قالوا » ما قالوه وغالوا فيه مثل « لا تفتني - يلمزك في الصدقات - هو أذن - إنما كنا نخوض ونلعب « في استهزاءهم » خضتم كالذي خاضوا - كما مضت .
أم وما يروى عن قالاتهم القالة الغائلة ك « واللَّه لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير « 2 » وما شتموه « 3 » ك « سمِّن كلبك يأكلك » « 4 » دركات سبع جهنمية من
هامش
( 1 ) . سورة التّوبة 9 : 74
( 2 ) . قد مضت روايات عن الدر المنثور بهذا المعنى
( 3 ) . الدر المنثور 3 : 258 عن ابن عباس قال كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله جالساً في ظل شجرة فقال : انه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا جاء فلا تكلموه فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال على مَ تشتمني أنت وأصحابك ؟ فانطلق الرجل فجاء أصحابه فحلفوا باللَّه ما قالوا حتى تجاوز عنهم وأنزل اللَّه : « يحلفون باللَّه ما قاتلوا . . »
( 4 ) المصدر عن قتادة قال ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الغفاري علىالجهني فقال عبد اللَّه بن أبي للأوس أنصروا أخاكم واللَّه ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف باللَّه ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر »