اللَّه أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم » . « 1 » فإنه عفو عن حكم الصيام ليلًا أن اللَّه نفى بما عفى حكم صيام الليل ، فليس - إذاً - عفواً عن عصيان رفعاً ، وإنما هو عفوٌ دفعاً ، وكما الاستغفار والغَفر حيث يجمعان الدفع إلى الرفع ، فقد عفى اللَّه عنه فبل إذنه إياه لذلك الإذن ، ثم نبه دون تأليب « لم أذنت لهم » وبيَّن سبب التأنيب « حتى تعلم . . » ولكنه تعالى عرفهم إياه فلم يكن - إذاً - إذنه عصياناً .
وما أحسنه تعبيراً أدبياً أديباً يحافظ على كرامة الرسول صلى الله عليه وآله أن يبدأ بالعفو قبل ظاهرة المعاتبة ، مما يدل على أنها معاتبة ودَّية أدبية ، دون أية معاقبة أم مسٍّ من كرامة العصمة .
كما وأن « حتى تعلم » تبيِّن أن ذلك لم يكن محظوراً في أصله ، وقد يتبين من آيات تالية أن في حضورهم محظوراً ، إذ « لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلّا خبالًا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم واللَّه عليم بالظالمين . « 2 »
ومن عفوه تعالى عنه ، صلى الله عليه وآله أنه تعالى عرَّفهم خلال هذه الآيات البينات ، فاستأصل - إذاً - حظر إذنه لهم ، حيث النتيجة من عدم إذنه حصلت بهذه الآيات ، ونتيجة إذنه أنهم كانوا خبالًا وفتنة حضروا ، فلا مبرر إذاً لتكلُّفات فارغة عن الحق المُرام ، وكأن « هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب اللَّه تعالى بذلك نبيه وأراد به أمته » فمن ذا الذي أذن لهم من الأمة حتى يفسر ذلك الخطاب تأويلًا إليهم دونه ؟ ! ، وهو - فقط - قائد القوات المسلحة ، وليس لأحد أن يأذن لأحد دون إذنه .
وغاية ما هنالك أنه صلى الله عليه وآله أذن عاجلًا دون تثبُّت ، فلم يتبين له الذين صدقوا ويعلم
هامش
( 1 ) ) . سورة البقرة 2 : 187
( 2 ) ) . نور الثقلين 2 : 223 في عيون الأخبار باسناده إلى علي بن محمد بن الجهم قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه السلام فقال له المأمون : يا بن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أليس من قولك أن الأنبياء معصومون ؟ قال : بلى ، قال : فما معنى قول اللَّه عزَّ وجلّ - إلى أن قال - : فأخبرني عن قول اللَّه عزَّ وجلّ « عفا اللَّه عنك لم اذنت لهم » قال الرضا عليه السلام : هذا مما نزل . . . كذلك قول اللَّه عزَّ وجلّ « لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين » وقوله « ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلًا » قال : صدقت يا بن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله