فقاهة الإيمان أوجب من الحفاظ على نفوس المؤمنين ، ثم وكلٌّ من طائفة التفقه والجهاد ينوب عن الآخر ، فللمجاهدين من أجر المتفقهين وللمتفقهين أجر الشهداء فإن « مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء » حيث الشهادة في سبيل اللَّه ترسمها مداد العلماء ، مداً لها إلى الشهادة وسواها من الهويّات الإيمانية .
وهل يستفاد من الآية وجوب أو جواز العمل بخبر الواحد أو الخبر الواحد - عن القرائن العلمية - اعتباراً ب « ينذروا » و « لعلهم يحذرون » إذ لا مجال لرجاء الحذر إلّا بعد واجب أو راجح قبول الإنذار ؟ كلَّا حيث الطائفة المتفقهة سواء أكانت الباقية أو النافرة هي جماعة فيها مجالة القبول للمنذَرين ، بحجة الكتاب والسنة الصالحة للتقبل ، وقد أمرنا ألّا نقفُ ما ليس لنا به علم ، وأن الظن لا يغني من الحق شيئاً ، ولعل « لعلّ » هنا تعني ترجيين اثنين : ترجى الحذر برجاء الحجة في ذلك الإنذار الإعذار ، وترجٍّ ثان بعد واقع الحجة فيه .
فعلى المنذر أن ينذر بما يملكه من حجج الحق ، فإن حقت الحجة للمنذَرين فهناك واجب الحذر عما منه ينذِرون ، ومما ينذَر منه المنذَرون تصديق ما ليس لهم به من علم في حقل الإنذار ، فالمنذَرون - إذاً - ينذَرون بتلك الحجة التي تثبت مادة الإنذار ، إجتهاداً أو تقليداً صالحين .
ولمكان الفرض المستفاد من « ليتفقهوا في الدين » نرى واجب التفقه على الذين عليهم أن يفقِّهوا ، أثقل مادةً وكيفيةً من واجبه على الباقين ، على أنهم سواةٌ في واجب أصل التفقة قدر القناعة الذاتية ، ثم المفروض على الآخرين التفقه في تقبل ذلك الفقه بأذن صاغية وقلوب واعية ، فإن بلغت لهم حجته تقبَّلوه ، وإلا فإلى مَن إنذاره حجة دون أية وقفة في حقل التعلم .
وهكذا يبشِّر عباد صالحون في حقول المعرفة الدينية : « فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللَّه وأولئك هم أولوا الألباب » . « 1 »
هامش
( 1 ) ) . سورة الزّمر 39 : 18