إلا في الصالح المعيشي للمُفرط .
هنا لشطري الآية حالتان ، متصلة ومنفصلة ، فالأولى تربط « لا تلقوا » ب « انفقوا » ولا سيما في حقل الجهاد في سبيل اللَّه .
والثانية تجعل كلًّا تستقل في كافة حقولها ، فالإنفاق العفو في سبيل اللَّه واجب أو راجح على أيةً حال ، والإلقاء إلى التهلكة محرم على أية حال ، إفراطاً أو تفريطاً في إنفاق المال ، أو تهديراً للحال في سائر النواميس الخمس .
فالمناضل المتساهل في خط النار المهتدر لنفسه زعم الشهادة به ، وهو قادر على الحفاظ على نفسه لفترة أم على طول الخط ، قتلًا لأعداء ، أم تضعيفاً لهم ، إنه ممن يلقي نفسه بأيديه إلى التهلكة ، بل وأنفسَ الآخرين ، حيث يضعف بفقد كل مناضل أَزر الجهاد ، فيبوء أحياناً إلى الإنهزام « وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً » !
كما المجاهد القاعد عن القتال ، أو المتهاون فيه حفاظاً على نفسه ورياحته - هو كذلك - ممن يلقي بيديه إلى التهلكة ، وكذلك سائر التهلكات نفساً وعقلًا وديناً وعِرضاً ومالًا ، أن يلقي الإنسان نفسه بيده إلى ايٍ منها ، وليس الجهاد في سبيل اللَّه على شروطها من التهلكة ، فإن تعريض اي نفس أو نفيس لخطر السقوط حفاظاً على ناموس الدين مما لابد منه ، وهذه ضابطة عامة : التفدية بالمهم حفاظاً على الأهم ، فإنما التهلكة المنهية هي الخاوية عن أية فائدة ، دونما أهمية لما يستهلك له نفسه أو نفيسه ، ف « ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل اللَّه ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل اللَّه » « 1 » وليس إقدام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على ما أقدم وكان فيه هلاكه من
هامش
( 1 ) ) . الدر المنثور 1 : 207 - أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية وفيهبطرق كثيرة عن أسلم أبي عمران قال : كنا بالقسطنطنية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد فخرج صف عظيم من الروم فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس فقالوا : سبحان اللَّه يلقي بيديه إلى التهلكة ؟ فقام أبو أيوب صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال : أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار إنا لما أعز اللَّه دينه وكثر ناصروه قال بعضنا سراً دون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : إن أموالنا قد ضاعت وإن اللَّه قد أعز الاسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع فيها ، فأنزل اللَّه على نبيه يرد علينا ما قلنا : وانفقوا في سبيل اللَّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو