عليهما غلام شخت [ 1 ] رقيق الأدمة ، في ثوبين ممصرين ، فقصد نحونا ، فلم يسلم ، وقال : أيكم الفرزدق ؟
فقلت [ 2 ] مخافة أن يكون من قريش : أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها ؟ فقال : لو كان كذلك لم أقل هذا ، فقال له الفرزدق : من أنت لا أمّ لك ، قال : رجل من الأنصار ، ثم من بني النجار ، ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم ، بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب ، وتزعمه مضر ، وقد قال شاعرنا حسان بن ثابت شعرا ، فأردت أن أعرضه عليك ، وأؤجلك سنة ، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب ، كما قيل ، وإلا فأنت منتحل كذّاب ، ثم أنشده :
ألم تسأل الرّبع الجديد التكلَّما
حتى بلغ إلى قوله :
وأبقى لنا مرّ الحروب ورزؤها
سيوفا وأدراعا وجمّا عرمرما [ 3 ]
/ متى ما تردنا من معدّ عصابة
وغسان نمنع حوضنا أن يهدّما
/ لنا حاضر فعم وباد كأنه
شماريخ رضوى عزة وتكرّما [ 4 ]
أبى فعلنا المعروف أن ننطق الخنا
وقائلنا بالعرف إلا تكلَّما [ 5 ]
بكل فتى عاري الأشاجع لاحه
قراع الكماة يرشح المسك والدّما [ 6 ]
ولدنا بني العنقاء وابني محرّق
فأكرم بذا خالا وأكرم بذا ابنما [ 7 ]
يسوّد ذا المال القليل إذا بدت
مروءته فينا وإن كان معدما [ 8 ]
وإنا لنقري الضيف إن جاء طارقا
من الشحم ما أمسى صحيحا مسلَّما [ 9 ]
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما [ 10 ]
فأنشده القصيدة ، وهي نيّف وثلاثون بيتا ، وقال له : قد أجّلتك في جوابها حولا ، فانصرف الفرزدق مغضبا ، يسحب رداءه ، وما يدري أيّة طرقه [ 11 ] حتى خرج من المسجد ، فأقبل على كثير ، فقال له : قاتل اللَّه الأنصار [ 12 ] ما أفصح لهجتهم ، وأوضح حجّتهم ، وأجود شعرهم ، فلم نزل في حديث الأنصار والفرزدق بقية يومنا ، حتى إذا كان / من الغد خرجت من منزلي إلى المسجد الذي كنت فيه بالأمس ، فأتى كثيّر ، فجلس معي ، وإنّا لنتذاكر الفرزدق ،
هامش
[ 1 ] الشخت : الضامر النحيف خلقة ، وفي بعض النسخ : « شخت اللون » وكان الأنسب أن يقال : « شخت الجسم » .
[ 2 ] التاء من قلت : ضمير راوي الخبر ، وفي هذا الخبر بعض الالتواء ، ولكنه هكذا في الأصول .
[ 3 ] جما عرمرما : جيشا كثير العدد . وفي ف :« جمعا عرمرما ».
[ 4 ] فعم : ممتلئ ، والمراد مفاخر .
[ 5 ] هذا البيت تكملة من « المختار » .
[ 6 ] الأشاجع : أصول الأصابع ، أو عروق ظاهر الكف ، ويكنى بعريها عن كثرة قبضها على السلاح ، لاحه : أهزله وأضمره ، ويكنى بقوله :« يرشح المسك والدم »عن أنه مترف وقت السلم ، شجاع وقت الحرب .
[ 7 ] ولدنا : ولدت أوائلنا ، أبنما - بفتح النون - تمييز ، وهو أحد أسمين يتبع ما قبل آخره في الأعراب آخره ، وهما « امرؤ وأبنم » .
[ 8 ] في ب : « منا » بدل : « فينا » .
[ 9 ] يريد أنه إذا قرى لا يعمد إلى الهزيل أو السقيم من نوقه فيذبحه .
[ 10 ] البيت مشهور ، وله قصة طويلة بين الخنساء وحسان والنابغة ، ارجع إليها في كتب الأدب .
[ 11 ] كذا في النسخ والمقام يستدعي زيادة كلمة « يسلك » بعد « أية طرقه » وفي « المختار » : « يذهب » .
[ 12 ] في بعض النسخ : « قاتل اللَّه الأنصاري ، ما أفصح لهجته . . . إلخ ، بضمير الواحد » .