مر الفرزدق بماء لبني كليب مجتازا ، فأخذوه ، وكان جبانا ، فقالوا : واللَّه لتلقينّ منا ما تكره ، أو لتنكحنّ هذه الأتان ، وأتوه بأتان ، فقال : ويلكم ! اتقوا اللَّه ، فإنه شيء ما فعلته قط ، فقالوا : إنه لا ينجيك واللَّه إلا الفعل قال : أمّا إذا أبيتم فأتوني بالصخرة التي يقوم عليها [ 1 ] عطية ، فضحكوا ، وقالوا : اذهب لأصحبك اللَّه .
أسود يستخف به
: أخبرنا عبد اللَّه بن مالك ، عن محمد بن موسى ، عن العتبي قال :
دخل الفرزدق على قوم يشربون عند رجل بالبصرة ، وفي صدر مجلسهم فتى أسود ، وعلى رأسه إكليل ؛ فلم يحفل بالفرزدق ، ولم يحف به تهاونا ، فغضب الفرزدق من ذلك وقال :
جلوسك في صدر الفراش مذلَّة
ورأسك في الإكليل إحدى الكبائر
وما نطفت كأس ولا لذّ طعمها
ضربت على حافاتها بالمشافر [ 2 ]
يرثي وكيعا ، فينسى مشيعيه الاستغفار له
: أخبرني عبد اللَّه بن مالك عن محمد بن موسى ، عن العتبي قال :
لما مات وكيع بن أبي سود أقبل الفرزدق حين أخرج ، وعليه قميص أسود ، وقد شقه إلى سرته وهو يقول :
فمات ولم يوتر وما من قبيلة
من الناس إلا قد أباءت على وتر [ 3 ]
وإنّ الذي لاقى وكيعا وناله
تناول صدّيق النبيّ أبا بكر [ 4 ]
/ قال : فعلق الناس الشعر ، فجعلوا ينشدونه ، حتى دفن ، وتركوا الاستغفار له .
ميميته المأثورة في علي بن الحسين
: أخبرنا عبد اللَّه بن علي بن الحسن الهاشمي ، عن حيان بن علي العنزي ، عن مجالد ، عن الشعبي قال :
حج الفرزدق بعد ما كبر ، وقد أتت له سبعون سنة ، وكان هشام بن عبد الملك قد حج في ذلك العام فرأى عليّ بن الحسين في غمار الناس في الطواف ، فقال : من هذا الشاب الذي تبرق أسرة وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها ؟ فقالوا : هذا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللَّه عليهم ، فقال الفرزدق :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحلّ والحرم
/ هذا ابن خير عباد اللَّه كلَّهم
هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجدّه أنبياء اللَّه قد ختموا [ 5 ]
وليس قولك : من هذا بضائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم
إذا رأته قريش قال قائلها :
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هامش
[ 1 ] يريد عطية أبا جرير ، ومعروف أنه كان يلقب جريرا بابن المراغة .
[ 2 ] نطفت الكأس : قطرت ، والمصراع الثاني صفة لكأس مع الفصل بين الصفة والموصوف .
[ 3 ] في ب : « أباءت » وفي نسخة أخرى « أثابت » وكلاهما بمعنى « رجع » المتعدي كأنه يريد رجعت نفسها إلى الأخذ بالثأر .
[ 4 ] ظاهر البيتين يفيد أن وكيعا مات قتيلا ، وأنه كان ذا صلة بالخليفة أبي بكر .
[ 5 ] نون « فاطمة » للضرورة .