كان الفرزدق وأبو شقفل راويته في المسجد ؛ فدخلت امرأة ، فسألت عن مسألة ، وتوسّمت ؛ فرأت هيئة أبي شقفل ، فسألته عن مسألتها ، فقال الفرزدق :
أبو شقفل شيخ عن الحق جائر
بباب الهدى والرّشد غير بصير
/ فقالت المرأة : سبحان اللَّه ؟ أتقول هذا لمثل هذا الشيخ ؟ فقال أبو شقفل : دعيه فهو أعلم بي .
سكينة بنت الحسين تجرحه وتأسوه
: أخبرنا عبد اللَّه بن مالك ، قال : حدثنا محمد بن موسى ، قال : حدثنا المدائنيّ ، قال :
خرج الفرزدق حاجا ، فمر بالمدينة ، فأتى سكينة بنت الحسين صلوات اللَّه عليه وآله ، فقالت : يا فرزدق . / من أشعر الناس ؟ قال : أنا ، قالت : كذبت ؛ أشعر منك الذي يقول :
بنفسي من تجنبه عزيز
عليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه
ويطرقني إذا هجع النيام [ 1 ]
فقال : واللَّه لو أذنت لي لأسمعتك أحسن منه . فقالت : أقيموه : فأخرج . ثم عاد إليها في اليوم الثاني . فقالت له : يا فرزدق . من أشعر الناس ؟ قال : أنا . قالت : كذبت : أشعر منك الذي يقول :
لولا الحياء لها جني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار
لا يلبث القرفاء أن يتفرّقوا
ليل يكرّ عليهم ونهار
كانت إذا هجر الضجيع فراشها
كتم الحديث وعفّت الأسرار [ 2 ]
قال : أفأسمعك [ 3 ] أحسن منه ؟ قالت : اخرج .
ثم عاد إليها في اليوم الثالث وعلى رأسها جارية كأنها ظبية ، فاشتد عجبه بها . فقالت : يا فرزدق ، من أشعر الناس ؟ قال : أنا . قالت : كذبت . أشعر منك الذي يقول :
/
إنّ العيون التي في طرفها مرض
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا [ 4 ]
يصرعن ذا اللَّبّ حتى لا حراك له
وهنّ أضعف خلق اللَّه أركانا [ 5 ]
ثم قالت : قم فأخرج . فقال لها : يا بنت رسول اللَّه ، إن لي عليك لحقّا . إذ كنت إنما جئت مسلَّما عليك ، فكان من تكذيبك إيّاي وصنيعك [ 6 ] بي حين أردت أن أسمعك شيئا من شعري ما ضاق به صدري . والمنايا تغدو وتروح ، ولا أدري ، لعلي لا أفارق المدينة حتى أموت . فإن متّ فمري من يدفنني في حر هذه الجارية التي على رأسك ، فضحكت سكينة ، حتى كادت تخرج من ثيابها ، وأمرت له بالجارية ، وقالت : أحسن صحبتها ؛ فقد آثرتك
هامش
[ 1 ] هذان البيتان لجرير .
[ 2 ] وهذه الأبيات لجرير أيضا ، من قصيدة يرثي فيها زوجته .
[ 3 ] أفأسمعك : الفاء هنا عاطفة على معطوف محذوف ، أي أنشدك ، فأسمعك أو نحو ذلك .
[ 4 ] وهذان البيتان لجرير أيضا ، ويعدهما مؤرخو الأدب أبرع ما قيل في الغزل ، وكثير من الروايات « حور » بدل « مرض » .
[ 5 ] في كثير من الروايات « إنسانا » بدل « أركانا » . .
[ 6 ] في هد « ومنعك أن أسمعك شيئا من شعري » .