قال أبو عبيدة : فبلغني أنه هرب منها ، فدخل في بيت حمّاد بن الهيثم [ 1 ] ، ثمّ إن الفرزدق قال فيها بعد ذلك :
/
قتلت قتيلا لم ير الناس مثله
أقلَّبه ذا تؤمتين مسوّرا [ 2 ]
حملت عليه حملتين بطعنة
فغادرته فوق الحشايا مكوّرا [ 3 ]
ترى جرحه من بعد ما قد طعنته
يفوح كمثل المسك خالط عنبرا [ 4 ]
وما هو يوم الزحف بارز قرنه
ولا هو ولَّى يوم لاقى فأدبرا
بني دارم ما تأمرون بشاعر
برود الثّنايا ما يزال مزعفرا [ 5 ]
إذا ما هو استلقى رأيت جهازه
كمقطع عنق الناب أسود أحمرا [ 6 ]
وكيف أهاجي شاعرا رمحه استه
أعدّ ليوم الروع درعا ومجمرا [ 7 ]
فقالت المرأة : ألا لا أرى الرجال يذكرون منّي هذا ، وعاهدت اللَّه ألا تقول شعرا .
كأنه يريد أن يؤتى
: أخبرنا عبد اللَّه بن مالك بن مسلم ، عن الأصمعيّ قال :
مرّ الفرزدق يوما في الأزد ، فوثب عليه ابن أبي علقمة لينكحه ، وأعانه على ذلك سفهاؤهم ، / فجاءت مشايخ الأزد وأولو النّهى منهم ، فصاحوا بابن أبي علقمة وبأولئك السفهاء ، فقال لهم ابن أبي علقمة : ويلكم ! أطيعوني اليوم ، واعصوني الدهر ؛ هذا شاعر مضر ولسانها ، قد شتم أعراضكم ، وهجا ساداتكم ، واللَّه لا تنالون من مضر مثلها أبدا ، فحالوا بينه وبينه ، فكان الفرزدق يقول بعد ذلك : قاتله اللَّه . إي واللَّه ، لقد كان أشار عليهم بالرأي .
أنصاري يتحداه بشعر حسان بن ثابت
: أخبرني عبد اللَّه بن مالك ، قال : حدثنا محمد بن حبيب ، قال : قال الكلبي : قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص . وأخبرنا بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيديّ والأخفش جميعا ، عن السكريّ ، عن ابن حبيب ، عن أبي عبيدة والكلبيّ : قال : وأخبرنا به إبراهيم بن سعدان ، عن أبيه ، عن أبي عبيدة ، قالوا جميعا :
قدم الفرزدق المدينة في إمارة أبان بن عثمان ، فأتى الفرزدق وكثّير عزة ، فبينا هما يتناشدان الأشعار إذ طلع
هامش
[ 1 ] في هد : « حماد بن القسم » .
[ 2 ] التومة : لؤلؤة تتحلى بها المرأة ، مسورا : لابسا أساور ، يريد أنه صرع بهجائه محاربا من النساء .
[ 3 ] في هد :حملت عليه حملة فطعنته
فغادرته فوق الفراش مكوراوفي هج :حملت إليه طعنتي فطعنته
فغادرته بين الحشايا مكوراوالمعاني متقاربة .
[ 4 ] يريد أن المطعون جميل ، يتضوع دمه مسكا وعنبرا .
[ 5 ] في الأصول « يرود » بالياء المثناة ، وهو تصحيف « برود » بالباء الموحدة ، يصف غريمه بأنه عذب الرضاب بارده . .
[ 6 ] يريد بالجهاز بضع المرأة ، والناب : الناقة المسنة .
[ 7 ] اختلفت الأصول في رواية هذا البيت اختلافا كثيرا ، وقد اخترنا رواية هد ، هج ، غير أننا نرى أن « درعا » تحريف « ردعا » بمعنى زعفران ، والمعنى : كيف أهاجي امرأة سلاحها ما بين أفخاذها ، تعد للحرب طيبا وبخورا ؟ .