قياما ينظرون إلى سعيد
كأنهم يرون به هلالا
فقال له : يا أبا عبد الملك إنك من بينهم صافن [ 1 ] ، فحقد عليه مروان ذلك ، ولم تطل الأيام حتى عزل سعيد ، وولَّي مروان فلم يجد على الفرزدق متقدّما [ 2 ] حتى قال قصيدته التي قال فيها :
/
هما دلَّتاني من ثمانين قامة
كما انقضّ باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا
أحيّ يرجّى أم قتيل نحاذره
فقلت : ارفعا الأمراس لا يشعروا بنا
وأقبلت في أعقاب ليل أبادره [ 3 ]
أبادر بوّابين لم يشعروا بنا
وأحمر من ساج تلوح مسامره [ 4 ]
فقال له مروان : أتقول هذا بين أزواج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، أخرج عن المدينة فذلك قول جرير :
تدلَّيت تزني من ثمانين قامة
وقصّرت عن باع الندى والمكارم [ 5 ]
أخبرنا [ 6 ] ابن دريد ، قال : أخبرنا الرياشي ، عن محمد بن سلَّام ، قال :
رواية أخرى للخبر السابق
: دخل الفرزدق المدينة هاربا من زياد ، وعليها سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس أميرا من قبل معاوية ، فدخل على سعيد ، ومثل بين يديه ، وهو معتم [ 7 ] ، وفي مجلس سعيد الحطيئة وكعب بن جعيل التغلبي ، وصاح الفرزدق : أصلح اللَّه الأمير ، أنا عائذ باللَّه وبك ، أنا رجل من تميم ، ثم أحد بني دارم ، أنا الفرزدق بن غالب ، قال :
فأطرق سعيد مليّا ، فلم يجبه ، فقال الفرزدق : رجل لم يصب دما حراما ، ولا مالا حراما ، فقال سعيد : إن كنت كذلك فقد أمنت ، فأنشده :
/
إليك فررت منك ومن زياد
ولم أحسب دمي لكما حلالا [ 8 ]
ولكنّي هجوت وقد هجاني
معاشر قد رضخت لهم سجالا [ 9 ]
فإن يكن الهجاء أحلّ قتلي
فقد قلنا لشاعرهم وقالا
هامش
[ 1 ] صفن الرجل : صف قدميه ، كأنه يريد أن يقول له : إنك من بينهم لست واقفا فحسب ، بل حسن الوقوف منتصب القامة ، بدليل غضبه عليه .
[ 2 ] لم يجد على الفرزدق متقدما ، أي سببا يستقدم من أجله ليحاكم ، وفي بعض الأصول « مقدما » بدل « متقدما » .
[ 3 ] الأمراس : الحبال ، وقد جاء في ب بدل هذا البيت وما بعده .فقلت ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا
وأحمر من ساج تلوح مسامرهوالتصويب من هد « والمختار » .
[ 4 ] وأحمر من ساج : يريد الباب .
[ 5 ] في هد :« وقصرت عن باع العلا والمكارم ».
[ 6 ] هذا الخبر - على طوله - ساقط من الأصول ، ولكنه مثبت عند ابن سلام ، « والمختار » ح 8 ص 115 وما بعدها .
[ 7 ] كذا في « المختار » ، وعند ابن سلام : « وهو معهم » .
[ 8 ] كذا في « المختار » ، وفي الأصول : ضلالا .
[ 9 ] رضخت لهم ، من قولهم : رضخت التيوس إذا أخذت في النطاح ، أي أخذت أساجلهم النطاح .