فأجابه أنس بن حذيفة الهذليّ :
لعلَّك أن تجيء بك المنايا
تساق لفتية منا غضاب
فتنزل في مكرّهم صريعا
وتنزل طرقة الضّبع السّغاب [ 1 ]
تأبّط سوأة وحملت شرّا
لعلك أن تكون من المصاب [ 2 ]
أخوه السمع يثأر لأخيه عمرو
: ثم أن السّمع بن جابر أخا تأبّط شرّا خرج في صعاليك من قومه يريد الغارة على بني عتير ليثأر بأخيه عمرو بن جابر ، حتى إذا كان ببلاد هذيل لقي راعيا لهم ، فسأله عنهم ، فأخبره بأهل بيت من عتير كثير مالهم ، فبيّتهم ، فلم يفلت منهم مخبر ، واستاقوا أموالهم ، فقال في ذلك السّمع بن جابر :
بأعلى ذي جماجم أهل دار
إذا ظعنت عشيرتهم أقاموا [ 3 ]
طرقتهم بفتيان كرام
مساعير إذا حمي المقام
متى ما أدع من فهم تجبني
وعدوان الحماة لهم نظام [ 4 ]
إصابته في غارة على الأزد
: ذكروا أن تأبّط شرّا خرج ومعه مرّة بن خليف يريدان الغارة على الأزد ، وقد جعلا الهداية بينهما ، فلما كانت هداية مرّة نعس ، فجار عن الطريق ، ومضيا حتى وقعا بين جبال ليس فيها جبل متقارب ، وإذا فيها مياه يصيح الطير عليها ؛ وإذا البيض والفراخ بظهور الأكم ، فقال تأبّط شرا : هلكنا واللَّات يا مرّة ، ما وطئ هذا المكان إنس قبلنا ، ولو وطئته إنس ما باضت الطَّير بالأرض ، فاختر أية هاتين القنّتين شئت ، وهما أطول شيء يريان من الجبال ، فأصعد إحداهما وتصعد أنت الأخرى ، فإن رأيت الحياة فألح بالثوب ، وإن رأيت والموت فألح بالسيف ، فإني فاعل مثل ذلك ، فأقاما يومين . ثم إن تأبط شرّا ألاح بالثّوب ، وانحدرا حتى التقيا في سفح الجبل ، فقال مرّة : ما رأيت يا ثابت ؟ قال : دخانا أو جرادا . قال مرّة : إنك إن جزعت منه هلكنا ، فقال تأبّط شرّا : أما أنا فإنّي سأخرم بك من حيث تهتدي الريح ، فمكثا بذلك يومين وليلتين ، ثم تبعا الصّوت ، فقال تأبط شرّا : النّعم والنّاس . أما واللَّه لئن عرفنا لنقتلنّ ، ولئن أغرنا / لندركنّ ، فأت الحيّ من طرف وأنا من الآخر ، ثم كن ضيفا ثلاثا ، فإن لم يرجع إليك قلبك فلا رجع ، ثم أغر على ما قبلك إذا تدلَّت الشمس فكانت قدر قامة ، وموعدك الطريق . ففعلا ، حتى إذا كان اليوم الثالث [ 5 ] أغار كل واحد منهما على ما يليه ، فاستاقا النعم والغنم ، وطردا يوما وليلة طردا عنيفا حتى أمسيا الليلة الثانية [ 5 ] دخلا شعبا ، فنحرا قلوصا ، فبينا هما يشويان إذا سمعا حسّا على باب الشّعب ، فقال تأبط : الطَّلب يا مرّة ،
هامش
[ 1 ] مكرهم : موضع الكر ، أي الميدان . السغاب : الجياع .
[ 2 ] السوأة : العورة ، وفي البيت التفاف من الغيبة إلى الخطاب ، وقوله من المصاب أي من النفر المصاب ، وقد وردت كذلك في الأصول ، ولعلها مع المصاب ، ويعني بالمصاب أخاه ، أي لعلك تلحق به .
[ 3 ] بأعلى ذي جماجم : يريد الجبل الذي ينزلون به .
[ 4 ] متى ما أدع : متى ما أدعهم ، وعدوان الحماة لهم نظام : جملة حالية ، أي عداوة الأبطال نظامهم ، ونرجح أن الحماة تحريف الحياة ، أي يجيبونني وهم يكرهون الحياة ويحبون الموت . وفي « المختار » : متى ما أدع في فهم بدل « من فهم » وفيه : « وعدوان الكرام لهم نظام » بدل « وعدوان الحماة » .
( 5 - 5 ) ساقط من نسخ « الأغاني » والزيادة عن « المختار » .