تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
العقليين ولا التجريبيين ، بل هي شاملة للجنة والناس أجمعين ، كلٌ يعرفها بقدره ، ويستدل لها بقدره ، كالماء والهواء المستفيد منهما الناس في أُطر على سواء ، وفي أُخرى حسب المستطاع ، والماء هو الماء والهواء هي الهواء . يتحدث هنا في آيات ست عن مَن خلقهم ؟ وكيف خلقهم ؟ وكيف يميتهم ثم ينشئهم ؟ وما هو الرباط بين الموت والحياة بدءً وعوداً ، برهنّا هنا وهناك على إمكانية وضرورة المعاد الحساب ، مبتدءً ببرهان قصير في لفظه ، كثير في معناه وعمقه : « نحن خلقناكم فلولا تصدقون » ومن ثم إلى سائر التفاصيل والتعاليل : « أفرأيتم ما تمنون . أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون » ( 56 : 59 ) : « أأنتم تخلقونه » منياً ، ثم - بعد تطورات جنينية - إنساناً « أم نحن الخالقون » إياه - منياً وإنساناً . فمهما كنت أنت المعني ، فلست أنت خالق المني ، وأين خالق من ممني ؟ فإن كنت تحسبك زوراً وغروراً انك الممني خالقٌ للمني ؟ مم خلقته ؟ ومتى ! وكم عدد خلياته ذكراً وأُنثى ؟ وهل أمنيته لتخلق منه ذكراً أم أُنثى أو خنثى أم ماذا ؟ فهل من مجيب ، ولو من عباقرة الأخصائيين في علم الجنين ؟ اللهم كلا ! ولقد مضت عشرات القرون حتى كشفنا أخيراً عن النزر القليل الضئيل من كيان المنى ، وكيف يمنى ؟ ومن أينُ يحمل ؟ وماذا يَحمل ؟ وماذا يُحمِّل « 1 » ؟ فليس دورك أنت إلا أن تشتهي فتُمني ، ولا صاحبتك إلا أن تحمل المني ، ثم تنقطعان عن كل صلة وعملية أو محاولة إلا أخذ الحائطة ألا تجهض ، ومن ثم فسائر الصنع وكلُّه للخلاق العليم ، وكما صنع المني مما صنع ، وأنت لا تعلم منه كثيراً ولا قليلًا ، إلا زهيداً ضئيلًا على ضوء العلم إن كنت من أهله « أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون » ؟ : المنيَ منياً ثم نطفة ثم علقة ثم مضغةً ثم عظاماً ، ثم كسوناه لحماً ، ثم إنشاناه خلقاً آخر ، أنتم أو نحن ؟ ! بل أنت يا رب « 2 » .
هامش
( 1 ) . راجع من سورة العلق ص 363 - 364 الجزء الثلاثين ( 2 ) . الدر المنثور 6 : 160 - اخرج جماعة عن حجر المرادي قال : كنت عند علي عليه السلام سمعته وهو يصلي بالليل يقرء فمر بهذه الآية « أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه‌ام نحن الخالقون » قال : بلى أنت يا رب