وقد يتحسب الناكرون أن سنة التكوين جرت على خلق الإنسان من مني ، ولا توالد فلا منى يوم القيامة يمنى حتى يخلق مرة أخرى !
والجواب أن خالق الإنسان من مني يمنى ، قادر أن يخلقه من حالة أخرى ، وكما خلق الإنسان الأول ولا مني يمنى ، فإذ تصدقون أنه الخالق في الصورتين بمني ودون مني ، فما يمنعكم من تصديقه في خلقه مرة أخرى ، فآية الخلق العام : « نحن خلقناكم . . » للتديل على إمكانية ولزوم المعاد ، وآية « ما تمنون . . » دليلًا على عدم انحصار خلقه في كيفية خاصة ، فإنه الخالق على أية حال : يخلقكم في آخر حال كما بدأكم أول مرة « كما بدأنا أول خلق نعيده » .
فهذه رؤية ، وإلى رؤية أخرى :
« أفرأيتم ما تمنون . . » « 1 » رؤية أخرى في ما تمنون تجعلكم تصدقون بيوم الدين ، فلقد تسلل المني من أجزاء البدن ، التي هي كلها حية حياة الإنسان ، وبانفصالها عنها تموت عن هذه الحياة ، وباستقرارها في الرحم وتنقلاتها من حالة إلى أخرى ترجع إليها في صورة إنسان آخر حياةً أخرى تمائل الأولى ، فكما اللَّه يحيي هنا ويميت ثم يحيي مرة أخرى ، كذلك وبأحرى في الحياة الأخرى : « ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون » !
وإذا كانت الحياة بتقديرها من اللَّه ، فهل الموت وهو انتهاء دور من الحياة ليس بتقدير اللَّه ؟ ولكي يكون مسبوقاً لا يقدر على إعادتها
تبديل الأمثال
« نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين . على أن نبدل أمثالكم وننشأكم فيما لا تعلمون . ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون » ( 56 : 63 ) .
فهو السابق في الإحياء ، ثم الإماتة ، فكيف يكون مسبوقاً عاجزاً عن تحقيق ما قدره من آجال ، دون تقدم لها ولا تأخر : « ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون » ( 8 : 59 ) « أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا . . » ( 29 : 4 ) « ما تسبق من أمة أجلها وما
هامش
( 1 ) . الفاء هنا وفيما بعد تفريع للأدلة الفرعية للمعاد على دليل الأصل « نحن خلقناكم »