البطون ، وما دامت هي من أصل الجحيم فهي آصل من الجحيم ، وما كان طلعها كأنه رؤس الشياطين ، فهو تناسب أكلًا لرؤس الشياطين .
وترى إذا كانت هذه شجرة الزقوم فكيف يأكلها الضالون المكذبون ؟ أليس الجوع أحلى من هذه الشائكة الفاتكة ؟ . لأن ( ابن آدم خلق أجوف لابد له من الطعام والشراب ) « 1 » والجوع طاغ ، والمحنة طاغية ! ولا طعام لهم إلاهيه ! أفصبراً على الجوع المنهك المهلك ولحد الموت ؟ فلا موت هنا ولا فوت على قدر ، أم لو قدر على الصبر فلا يطعم الزقوم ؟ إنه طعامه شاء أم أبى ! فليس طعام الإكرام حتى يختار ، إنه طعام العقاب فلا بد منه وإنْ يحتار ، وكذلك طعام الدوام في العذاب فليأكله بالاجبار ، فالضالون المكذبون إذاً بين واجبين أمام ذلك الطعام ، ذاتي ضرورة الحاجة إلى الأكل ، ومفروض ضرورةَ العقاب والبقاء إلى أجل مفروض .
ومما يوحي باضطرارهم الثانوي في أكله « فمالئون منها البطون » فالأولي منه يفرض ما يبقي الرمق لاملأ البطون .
ثم أن ثالوث : حرارة الجحيم ، وشائكة الزقوم للحلوق والبطون ، وملأ البطون ، لتدفع إلى الماء ، فترى ماذا يشربون ؟ :
« فشاربون عليه من الحميم » ( 56 : 56 ) : الماء البالغ الحرارة : « وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم » ( 47 : 15 ) وبعد ما تقطعت وتفسخت بالزقوم ، عذاباً فوق العذاب ، وترى - إذاً - يشربون منه قليلًا ؟ كلا :
« فشاربون شرب الهيم » ( 56 : 58 ) : الهُيام داء يأخذ الإبل من العطش « 2 » ، فالهيم هي
هامش
( 1 ) . تفسير العياشي عن أبي عبداللَّه الصادق ( ع ) قال :
( 2 ) . وقد يسمى كل من أو ما يشرب الماء الكثير ، هيماً كتلال الرمول الساخنة من حر الشمس ، فإنها أيضاً هيملا تروى من الماء ، وكمايروى عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ثلاثة أنفاس في الشراب أفضل من نفس واحدة في الشرب ، ويكره أن يشبه بالهيم - قيل وما الهيم ؟ قال : الرمل ، وفي نقل آخر عنه : هي الإبل ، وهو الموافق لأصل اللغة