تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
عنها حين ينزل القرآن تبد لكم » . وهنا « عفا اللّه عنها واللّه غفور حليم » هو عفوٌ عن السؤال المحظور والإجابة المحظورة المسيئة في وحي القرآن بالنسبة لهذه الأمة المرحومة ، وعفوٌ عن مادة السؤال التي هي في إجمال ، مثلث من العفو شمله : « عفى اللّه عنها » وهي في الأخير مواصفة ثانية ل « أشياء » أولاها « إن تبد لكم تسؤكم » . ولو تقدمت « عفا اللّه عنها » على « إن تبد لكم » لم تشمل الأولين ، إذاً فتأخيرها تأخير قاصد إلى هذه العنايات الثلاث . فقد عفى اللّه عن أشياء لم يبينها فلا تسألوا عنها ، وعفى اللّه عن ذلك السؤال المحظور فلا تكرروه ، وعفى اللّه عن إبداءِها بعد السؤال فلا تُحفوا . ذلك ، ومن ثم تذكير بسابق هكذا سؤال بجوابه العضال : « قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين » كالسائلين حول البقرة في قصتها الإسرائيلية فقد كفروا بكرور سؤالهم في مثل « أدع لنا ربك . . . » والسائلين « اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو إثتنا بعذاب أليم » ( 8 : 32 ) أو « فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين » ( 7 : 70 ) وكسؤال قوم موسى « أرنا اللّه جهرة فأخذتهم الصاعقة » و « إذ قالوا لنبيّ لهم ابعث لنا ملِكاً نقابل في سبيل اللّه . . فلما كتب عليهم القتال تولوا إلَّا قليلًا منهم » وما أشبه من السؤالات الكادحة القادحة غير المعنية لعاقل فضلًا عن مؤمن ، فإنما سؤال المؤمن هو عن سؤل الإيمان ، مزيداً للمعرفة دون استجهال أو استعجال . ذلك ! فلقد جاء هذا القرآن لا ليقرر عقيدة فحسب ، أو شريعة فحسب ، بل ليربِّي أمة صالحة في كافة الحقول ، إنشاءً لهم على منهج عقلي وخُلُقي ، فهنا يعلِّمهم أدب السؤال ، فطالما هناك في وحى الكتاب والسنة أمور مجلمة أو مُجهَلة فهي قاصدة بالوحي نفس الإجمال والإجهال ، وقد يروى عن النبي صلى الله عليه وآله قوله بهذا الصدد : « ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم واختلافهم على أنبياءهم » .