تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
فهذه شرذمة من التقوى وإليكم جماعها من إمام المتقين ويعسوب الدين حيث يصف المتقين عن بكرتهم لمن يستوصفهم « 1 » : « أما بعد فان اللّه سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم ، آمناً من معصيتهم ، لأنه لا تضره معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم من الدنيا مواضعهم » . فالمتقون فيها هم أهل الفضائل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم الإقتصاد ، ومشيهم التواضع ، غضوا أبصارهم عما حرم اللّه عليهم ، ووقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم ، نُزِّلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء ، ولولا الأجل الذي كتب اللّه عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقاً إلى الثواب ، وخوفاً من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعَّمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم ، ارادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها ، أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلًا ، يُحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً ، وظنوا انها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباهم وأكفِّهم ورُكَبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم ، وأما النهار
هامش
( 1 ) . هذه الخطبة إجابة لهمام صاحب له عليه السلام حين قال يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني إليهم فتثاقل عليه السلام ثم قال : يا همام « اتق اللّه وأحسن » ف « ان اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون » فلم يقنع فخطب عليه السلام هذه الخطبة فلما انتهت صعق همام صعقة كانت نفسه فيها