تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
قسوة القلب إلا كل فسوق وخروق ، وإلى الكفر . والقلب - كما سمي - كيانه التقلب والانقلاب ، فلا بدّ له دوماً من زمام رباني يزمه عن الأزَمات التقلبات ، فلا بدّ من الطَّرق المتواصل عليه بطوارق أنوار الذكر حتى لا يبِلد ويقسوا ولانطمس إشراقته ، ولكي يرق ويبرق ويشف « ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب » ( 13 : 28 ) تخرج عن تقلباتها الفوضى ، وتطمئن إلى اللّه العلي الأعلى . ذلك لأن قلب الروح يعشق اللامحدود ، وإنما تقلبه وتزلّقه إلى هنا وهناك ، وإلى هذا وذاك ، دونما وقفقة واطمئنان ، لأنه لا يجد بغيته في هذه المحدودة الزائغة الزائفة من كائنات الوجود ، فإذا تعلق باللّه اطمئن وارتكن ، ثم لا تقلُّب ولا انفلات ، اللهم لمن يعرف ربه كما يحق ، فقد ينزلق إلا من اعتصم باللّه وعصمه اللّه . ان طول الآماد في فترات الرسالات من أهم ما يُنسي ذكر اللّه فتقسى بها القلوب ، لأنهم ينورون القلوب ويخرجونها بسناد الوحي فلا يخطئون أو يتباطئون ، ومَن سواهم من مبلغي رسالات اللّه إنما يصدون عنهم حضوراً فقد يتباطئون أو يخطئون ، مما يفعلون من تأثيرات العظات ، فتتعاظم القساوات في ثالث الأدوار ، دور الانتظار الذي نعيشه ، إذ لا رسول ولا إمام حاضراً ، وإنما منتظراً ليأتي ويقوِّم الأود ، فهذا الدور من أخطر الأدوار تقاسياً للقلوب ، ومن أكثرها مسؤليات على عواتق المسلمين ، فإذا يؤثر طول الآماد في الفترات الرسالية في قساوات القلوب ، والرسالة غير منتهية ، والفترة محدودة ، فماذا يكون أحوالنا في دور الانتظار وقد انتهت الرسالة والرسالات ، وختم دور الإمامات ، والفترة طائلة لتحد غير معروف ، ولحد الآن الف وستة وستون سنة تمضي على الغيبة التامة لدور الإمامة ، ولم يسبق له مثيل ولا يأساً قاطعاً عن تجديد الرسالات . فإذا تإنُّ على المؤمنين زمن الرسول « 1 » وعلى اسماعهم تأن الآيات من أقوى الرسالات
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 174 : 6 - أخرج بن مرويه عن انس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله قال : استبطأاللّه قلوب المهاجرين بعدسبع عشرة من نزول القرآن فأنزل اللّه : ألم يأن . . وفيه أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : خرج رسول اللّه صلى الله عليه وآله على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب محمراً وجهه فقال : أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم ولقد أنزل علي في ضحككم آية : ألم يأت للذين آمنوا أن بخشع قلوبهم لذكر اللّه » قالوا : يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله ! فما كفارة ذلك ؟ قال : تبكون قدر ما ضحكتم ، وفيه أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود ان رسول اللّه صلى الله عليه وآله قال : لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم إلا أن كل ما هو آت قريب ، إنما البعيد ما ليس بآت .