« بربهم يشركون » سواه قائلين : هذه صدفة طيبة ، أم لولا فلان لما كشف عنّى ضري ، أماذا من خربطات القيلات التي هي ويلات على أصحابها ، وترى ما هو موقف « منه » هنا ؟ هل هي : من الله ؟ ولا ريب في أن رحمة اللَّه هي من اللَّه لا سواه ، ولا سيما أن القائل هو الله ، فقد تلمح « منه » كأن هناك رحمات من غير اللَّه يؤتيها اللَّه لمن مسّه ضر ، ويكأن اللَّه ليست عنده رحمة فيستدينها ممن سواه ! « منه » قد لا يعنى من الله ، بل هو من ضر مسّه ، ليعلم أنها رحمة خاصة بهذا الضر ، دون مطلق الرحمة التي لا ينالها الّا الأقربون ، وانما رحمة من ضرهم ، تخلصهم عنه ، فقد تكون - / على خاصتها - / رحمة سلبية - / فقط - / هي إزالة الضر الخاص .
فهناك من الضر زحمة بايجابه ورحمة بسلبه « فإذا أذاقهم منه ( الضر ) رحمة » تسلبه . . .
وقد تعنى « منه » - / إضافة إلى الضر - / اللَّه سبحانه ، رحمة من اللَّه من ضرٍّ ، ولا ضير ان يكون ضمنَ المعنى وعلى هامشه ، إذ لا تلمح - / اذاً - / ما لمحته أولًا ، بل وقد يعنى الثاني أصالة كما الأول كما « . . فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَآ أَرْسَلْنكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلغُ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الْإِنسنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةُ م بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسنَ كَفُورٌ » ( 42 : 48 )
و « منا » هي لبيان أن الرحمة ليست مستحقة للانسان أياً كان ، فإنما هي فضلٌ مندونما استحقاق لأهله ، بل هو امتحان كما الضر امتحان .
اذاً فأصل المعنى في « رحمة منه » هو الرحمة من الله ، مهما كانت بإزالة ضر مسّه أم سواها .
ولماذا « إذا هم يشركون » بعد الإنابة وذوق رحمة منه ؟
« لِيَكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَيْنهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ » ( 30 : 34 )
لا يعنى اشراكهم عند الرحمة انقلاب الفطرة عن اللَّه إلى سواه ، فإنما هو غفلة عامدة ، وغفوة عائدة ، مصلحيةَ الحفاظ على اشراكهم بالله « ليكفروا بما آتيناهم » بعد ما آمنوا ، كفراناً فكفراً ، وهنا يوجَّه إليهم خطابُ العتاب . « فتمتعوا » بما أذقناكم ممن رحمة تمتُّع الحيوان وأحون ، وهذا نهى صارم بصيغة الأمر ، يوجَّه إلى من لا يُجديه نهى ولا أمر ، حين يتخلف عن فطرته وعقليته وشرعته ، تجاهلًا عن كل ذلك كأنه لا يعمل « فسوف تعلمون » في
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 120
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٢٠