صلِحًا يُدْخِلْهُ جَنتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهرُ خلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ ورِزْقًا » ( 65 : 10 ) « إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ » ( 36 : 69 )
يذكر الذكر في القرآن بمختلف صيغه وموارده زهاء ( 267 ) مرة مما يبرهن واضحة أن كتاب التدوين الشرعة نسخة كاملة عن كتاب التكوين الفطرة ، مهما بان البون بينهما جملة وتفصيلًا .
فلنقرء كتاب الفطرة بإقامة الوجه إليها حنفاء لكي تتسهل لنا قراءه كتاب الشرعة ، نقرء كتاب الفطرة بحنفٍ في بنوده العشرة .
ففي إقامة وجه الحس بوجوهه الخمسة ، المفروض اصلاح الحس دون اخلادٍ فيها إلى الأرض واتباع الهوى ، فليعرف بفطرياته السبع أنه في استعمال حواسه أمام محبوب كامل مقتدر عالم منعم منتقم حاضر ، فليكن حاذراً متحضراً في صلاحه على أية حال .
وفي إقامة وجه العقل إلى الذين حنيفاً لا بد من مراجعة الفطرة في احكامها ، كيلا يخطأ أو يقصر أو يقصِّر في تعقله ، ولينظر إلى آيات اللَّه آفاقية وانفسية على غرار الفطرة .
وفي إقامة وجه القلب إلى الذين حنيفاً لا بد من قطع العلائق العالقة الحالقة الدنيوية لكي تتجلى فيه نور المعرفة ، وهذه الثلاث هي أصول وجوه الانسان ، حيث القلب قلب بين الصدر قبله واللب والفؤاد بعده ، وهذه حالاته ودرجاته .
وبذلك نرى ربطاً عريقاً عميقاً بين كتاب الفطرة وكتاب الشرعة وكلا هما من صنعوفقاً لناموس الكون .
فالاعتراف بالربوبية الوحيدة فطرة غير وهيدة في الكيان الانساني ، أودعها اللَّه تعالى في هذه الكينونة الغالية ، فالرسالات - / اذاً - / ليست الا تذكيرات لها ، وتحذيرات ، فالتوحيد اذاً ميثاق معقود بين فطرت الناس وخالق الناس منذ كينونتهم الأولى ، فلا حجة لهم في نقض ذلك الميثاق وحتى لو لم يبعث إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، ولكن رحمته تعالى اقتضت ألّا يَكلهم إلى فِطَرهم إذ قد تنحرف حين تحجب ، ولا إلى عقولهم إذ تنجرف حتى إذا لم تحجب ، فتلك معصومة في أصلها ، وهذه ليست معصومة .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 117
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١١٧