شرح
ودفع الضرر المحتمل واجب عقلًا فكيف بالمقطوع ، فبمقتضى حكم العقل بوجوب الطاعة والاجتناب عن المخالفة تصل النوبة إلى مقام العمل والامتثال وفي مقام الامتثال وكيفيته يحكم العقل بأنّ ذلك يتوقّف على العلم بأوامر المولى ونواهيه ، والعلم يحصل بأحد الطرق الثلاث :
الأوّل : أن يقوم العبد بنفسه لتحصيل العلم بأوامر المولى ونواهيه المذكورة في كتابه أو في بيان نبيه وأوصيائه ، وهذا هو المسمّى في اصطلاح الفقهاء بالاجتهاد .
الثاني : أن يرجع إلى من هو عالم بأوامر المولى ونواهيه ويعمل بما يأمره ويجتنب عما ينهاه عنه ، وهذا هو المسمّى بالتقليد .
الثالث : أن يعمل بما يحتمل أنّه محبوب ومطلوب للمولى ويجتنب عمّا يحتمل انّه مبغوض ومنهي عنه ، وهذا هو المسمّى بالاحتياط .
ولا يخفى عليك انّك إذا تأمّلت في كيفية الأعمال التي يعملها العقلاء في أمورهم الدنيوية تجد أنّها لا تخلو عن واحدٍ من هذه الطرق الثلاثة التي يحكم بها العقل . فإنّهم إما ان يعملوا بعلمهم إذا كانوا في ذلك الأمر من أهل الخبرة والاطلاع ، وإمّا ان يرجعوا إلى أهل الفنّ وإمّا أن يعملوا بالاحتياط برعاية جميع أطراف الموضوع . وهذا هو المراد من أن وجوب العمل بأحد الطرق الثلاثة في مقام الطاعة والعبودية وجوب عقلي لا شرعي .
وأمّا حصر طرق إطاعة المولى واجتناب معصيته في هذه الأمور الثلاثة فليس حصراً حقيقياً بمعنى عدم وجود طريق رابع أو خامس لذلك ؛ لامكان وجود طرق أخرى مثل الرمل والجفر أو القياس والنوم والاستخارة وغيرها من الأسباب التي توجب حصول العلم للمكلّف بالنسبة إلى ما هو مطلوب المولى أو