الوافي بعد از ذكر آن دو معنى و ردّ هر دو گفته :
فإن قيل : فما معنى الحديث ؟ إذن فنقول و من اللَّه التائيد : كما أنّ لكلّ شيء ماهية هو بها هو وهى وجهه الّذي إلى ذاته ، كذلك لكلّ شيء حقيقة محيطة به ، بها قوام ذاته ، وبها ظهور آثاره وصفاته ، وبها حوّله عمّا يرديه ويضره ، قُوّته على ما ينفعه ويسرّه ، وهي وجهه الذي إلى اللَّه سبحانه ، وإليهما اشير بقوله عزّوجل :
« كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً »
وبقوله سبحانه :
« وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ »
وبقوله تعالى :
« وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ »
وبقوله عزّ اسمه :
« وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ »
و بقوله :
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
؛ فإنّ تلك الحقيقة هي التي تبقى بعد فناء الأشياء .
فقوله عليه السلام : « اعرفوا اللَّه باللَّه » معناه : انظروا في الأشياء إلى وجوهها التي إلى اللَّه سبحانه بعد ما أثبتم أنّ لها ربّاً صانعاً ، فاطلبوا معرفته بآثاره فيها من حيث تدبيره لها ، وقيّوميّته إيّاها ، وتسخيره لها ، وإحاطته بها ، وقهره عليها ، حتّى يعرفوا اللَّه بهذه الصفات القائمة به ، ولا تنظروا إلى وجوهها التي إلى أنفسها ، أعني من حيث إنّها أشياء لها مهيّات لا يمكن أن يوجد بذواتها ، بل مفتقرة إلى موجد يوجدها ؛ فإنّكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهات تكونوا قد عرفتم اللَّه بالأشياء ، فلن تعرفوه إذن حقّ المعرفة ؛ فإنّ معرفة مجرّد كون الشيء مفتقر إليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة في الحقيقة ، على أنّ ذلك غير محتاج إليه ؛ لما عرفت أنّها فطريّة بخلاف النظر الأوّل ؛ فإنّكم تنظرون في الأشياء أوّلًا إلى اللَّه - عزّوجلّ - وآثاره من حيث هي آثاره ، ثمّ إلى الأشياء وافتقارها في أنفسها ؛ فإنّا إذا عزمنا على أمر مثلًا وسعينا في إمضائه غاية السعي ، فلم يكن علمنا أنّ في الوجود شيئاً غير مرئيّ الذات يمنعنا عن ذلك ، ويحول بيننا و بين ذلك ، وعلمنا أنّه غالب على أمره ، وأنّه مسخّر للأشياء على حسب مشيّته ، ومدبّر لها بحسب إرادته ، وأنّه منزّه عن صفات أمثالنا ، وهذه صفات بها يعرف صاحبها حقّ المعرفة ، فإذا عرفنا اللَّه - عزّوجل - بهذا النظر ، فقد عرفنا اللَّه باللَّه ، وإلى مثل هذه المعرفة اشير في غير موضع عن القرآن المجيد بالآيات حيث قيل :
« إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ »
وأمثال ذلك من نظائره . « 1 »
هامش
( 1 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 338 - 340 .